تحتفل الكنيسة بذكرى رحيل القديسة مريم المصرية السائحة (٦ برمودة) الموافق ١٤ أبريل ٢٠٢٤. في هذا اليوم من عام 137 ش. (421 م) انتقلت القديسة إلى السماء. في القرن الرابع الميلادي، كتب سيرتها راهب قس في فلسطين يدعى الأنبا زوسيما الذي عاش في الدير لمدة 53 عامًا. بدأت تراوده أفكار العظمة, فأرسل الله له راهبًا ليأخذه إلى دير قرب نهر الأردن ليستكمل حياته هناك.

سيرة القديسة مريم المصرية السائحة
رغم تقدمه في السن، أسرع زوسيما لمقابلة هذا الإنسان ولكن الأخير كان يهرب منه، حتى صاح فيه أن يتوقف. فاستدار هذا الشخص الغامض ودخل حفرة في الأرض وعرّف زوسيما بنفسه وقال: “أنا امرأة، إذا أردت أن تساعد خاطئة فامنحها رداءك ليسترها وباركها”. اندهش زوسيما لأنها نادته باسمه وترك لها رداءه، فسألته أن يباركها إذ كان كاهنًا. وزاد اندهاشه عندما عرفت بكهنوته، وطلب هو منها أن تباركه وتصلي من أجله. وعندما طلب منها التعريف بشخصيتها، ولماذا كانت تعيش في هذه البرية، وكم بقيت فيها، قصت عليه قصتها.
أخبرته أنها من الإسكندرية وأن ذهنها بدأ يتلوث بالخطية منذ سن الثانية عشرة بسبب الشر المنتشر، ولم يكن هناك ما يمنعها من ارتكاب الخطايا إلا احترامها لوالدها. ومع موت والديها، انغمست في الخطايا الجسدية لمدة سبعة عشر عامًا، ليس بسبب الحاجة وإنما لإشباع رغباتها.
وأخيرًا حلَّ يوم عيد الصليب، وازدحمت الجموع متجهةً نحو كنيسة القيامة. كان الزحام شديدًا، وعندما جاء دورها للدخول، وقفت عند العتبة، لكن قدميها بدت وكأنهما قيدتا، غير قادرتين على التقدم. شعرت بقوة غامضة تمنعها من الدخول، وحاولت مرارًا ولكن دون جدوى. انتابتها مشاعر الإحباط والخجل عندما أدركت أنها الوحيدة التي يُمنع دخولها بينما الجميع يعبرون بسلاسة.
اعتزلت في زاوية هادئة بالقرب من بوابة الكنيسة، غارقة في التفكير. وفي نهاية الأمر، وصلت لقناعة أن عجزها عن الدخول كان نتيجة عدم استحقاقها بسبب خطاياها الكثيرة. انفجرت في البكاء بشدة، وبينما رفعت بصرها، وقع نظرها على صورة العذراء مريم أعلى رأسها. تأجج الإحساس بالخزي في داخلها، فخاطبت العذراء قائلة: “يا أم النقاء والطهارة، أعترف بمقدار خطاياي ودناءة نفسي. أنا لا أستحق الدخول إلى بيت الله، ولا حتى الوقوف تحت ظلّ صورتك الطاهرة. كم أنا خجلة من ضعفي وصغري أمام عظمَتِك”.

القديسة مريم المصرية السائحة
من أعماق قلبها، توجهت بطلب شفاعة العذراء العظيمة، متوسلة بالمغفرة والنقاء، واعدةً بأنها ستترك حياتها السابقة بكل ما فيها من خطايا وملذات دنيوية. لقد طلبت السماح بالدخول فقط لتكريم الصليب المقدس وبعده ستترك العالم وكل ما فيه نهائيًا، متعهدة بالسير على درب الهداية. شعرت وكأن دعاءها وصل إلى السماء واستُجيب له. بثقة وبقلب مطمئن، عادت لتأخذ موضعها بين الآخرين.
وفي هذه المرة، استطاعت القديسة مريم المصرية السائحة الدخول دون أي عائق، لكن قلبها ارتجف من الرهبة والخشوع. ما إن وطأت عتبات الكنيسة حتى تجددت دموعها بغزارة. سجدت أمام خشبة الصليب المقدسة، تبكي بحرارة وتقبلها بحب صادق. غاصت في الصلاة العميقة دون أن تلاحظ مرور الوقت حتى انتصف النهار. داخل أعماق نفسها، توجهت بنداء خاشع طالبة معونة الله وشفاعة العذراء لتعرف الطريق الذي يجب عليها أن تسلكه.
وفجأة سمعت صوتًا في داخلها يقول: “اعبري الأردن، فهناك ستجدين طريق خلاصك”.
أمضت القديسة مريم المصرية السائحة تلك الليلة بجوار الكنيسة، وفي صباح اليوم التالي واصلت مسيرتها، لتلتقي برجل قدم لها ثلاث قطع من الفضة، قائلاً: “خذي ما وهبك الله”. توقفت عند خباز واشترت بثمنها ثلاث خبزات، ثم طلبت منه أن يرشدها إلى الطريق المؤدي إلى الأردن. خرجت من بوابة المدينة، وشعرت بتغير في روحها. وصلت إلى كنيسة تحمل اسم مار يوحنا المعمدان قرب النهر، حيث بدأت بالبكاء واغتسلت بماء النهر المقدس. دخلت الكنيسة، واعترفت بخطاياها، وتناولت الأسرار المقدسة.
بعد ذلك، عبرت القديسة مريم المصرية السائحة الأردن وطلبت شفاعة العذراء، لتبدأ رحلتها في الصحراء القاحلة حتى بلغت المكان الذي التقت فيه القديس زوسيما، حيث قضت ما يقرب من 45 عامًا، معتمدة على عناية الله بها. وبناءً على سؤال القس زوسيما، بدأت تسرد تفاصيل معاناتها. أوضحت أنها واجهت سبعة عشر عامًا من الكفاح المرير ضد الشهوات الجسدية، كما لو كانت تحارب وحوشًا حقيقية. تذكرت جميع خطاياها السابقة وعانت من جوع وعطش شديدين. وقالت:
”
. وعندما كنت أصل إلى حافة اليأس، كنت ألجأ للصلاة على الأرض، متضرعة من عمق قلبي. كنت أبقى في هذا الوضع أيامًا وليالي، إلى أن يحيطني النور الإلهي وكأنه درع نار يحمي روحي من التجربة”.
وأضافت أن العذراء كانت لها سندًا في رحلة توبتها الطويلة، تقودها بيدها وتصلي من أجلها. عندما نفدت منها الخبزات، كانت تقتات على الحشائش والجذور التي تجدها في الأرض. وعن ملابسها التي تهرأت بالكامل، ذكرت كيف أن حرارة الشمس الحارقة وبرد الصحراء القارس كانا يصيبان جسدها بالإعياء الشديد. أخبرت القديس زوسيما أنها لم تر وجه إنسان منذ عبرت الأردن، وأن الله ألهمها فهم الكتب المقدسة والمزامير.
عندما أنهت حديثها، انحنت أمام القس زوسيما وطلبت بركته، وأوصته بعدم الإفصاح عن قصتها لأحد. طلبت منه الحضور إليها في خميس العهد من العام التالي حاملاً معه التناول المقدس؛ وأوضحت أنها ستنتظره عند شاطئ الأردن.
وفي العام التالي، وبينما مرض القس زوسيما بحمى شديدة خلال الصوم الأربعيني المقدس—تمامًا كما أخبرته مريم من قبل—تمكن بعد قداس خميس العهد من حمل جسد المسيح ودمه المقدسين معه، ومعهما بعض البقول والتمر، ليوفي وعده ويلتقي بالقديسة عند النهر. طال انتظاره لها حتى رآها أخيرًا

على الضفة المقابلة من النهر. قامت برشم علامة الصليب وعبرت الماء ماشية عليه. أمام هذه الأعجوبة العظيمة همَّ زوسيما بالسجود لها، لكنها نهرته قائلة: “أيها الأب والكاهن، كيف تفعل هذا وأنت تحمل الأسرار المقدسة؟”. تقدمت باتجاهه بخشوع وتناولت من الأسرار المقدسة.
بعد تناول القربان المقدس بوقت قصير، رفعت يديها نحو السماء وهي تقول: “الآن يا سيد تطلق عبدتك بسلام لأن عيني قد أبصرتا خلاصك”. طلبت بعدها أن يعود إليها في العام القادم عند نفس الموقع الذي التقيا فيه لأول مرة وأن يصلي لأجلها. مرة أخرى رسمت علامة الصليب على النهر وعبرت مجددًا لتختفي عن أنظاره.
في العام التالي وقبل الموعد، توجه القس زوسيما إلى نقطة لقائهما السابقة فوجدها ساجدة ميتة بوضعية تدل على الصلاة، ووجهها متجه إلى الشرق ويداها متشابكتان كما لو كانت مجمدة في الموت. ركع بجانب جسدها وصلى عليها صلوات الجنازة وهو يغالب دموعه. على جثمانها وجد نقشة مكتوبة تقول: “أيها الأب زوسيما، ادفن هنا جسد مريم البائسة واترك للتراب هذا الجسد المذنب… وصلّ من أجلي”.









