في مثل هذا اليوم، تنيَّح الأب القديس آفا نوفير السائح في برية الصعيد، وهو الذي ذاعت سيرته العطرة واشتهر بشيخوخته المملوءة بالحكمة والبركة. ذكره القديس بفنوتيوس المتوحد، الذي اقتادته نعمة الله لرؤية القديسين السواح،
فتجول في البراري بحثًا عنهم. حينما اشتعل قلب بفنوتيوس رغبة في رؤية هؤلاء الأبرار الساكنين في البرية، خرج من قلايته وسار أيامًا عديدة حتى نفد طعامه وشرابه. ومع ذلك، بروح الإيمان والشجاعة، قال لنفسه إن عليه الثبات لكي يرى عبيد المسيح ويختبر حياتهم الروحية.

معلومات عن القديس آفا نوفير السائح
بعد أيام عدة من الإرهاق، ظهر له ملاك بهيئة إنسان ولمس شفتيه، فأزال عنه التعب والجوع والعطش. تابع القديس رحلته بالصلاة والتسبيح حتى تراءى له الملاك مجددًا لمساعدته في المضي قدمًا. وبعد سبعة عشر يومًا، التقى برجل
عريان يغطي جسده بشعر رأسه ولحيته الطويلة، كان هذا القديس أبا نفر، المؤتزر بليف بسيط. شعر بفنوتيوس بالخوف ظانًا أنه روح، لكنه استعاد هدوءه بعد أن صلى أبا نفر ورسم علامة الصليب وحيّاه باسمه. جلسا معًا يتحدثان عن عظائم الله، وسأله بفنوتيوس عن سيرته وكيف وصل إلى حياته السواح.
روى القديس آفا نوفير السائح قصة تركه أحد أديرة صعيد مصر دعمًا لشوقه العميق للرهبنة وسعيه لعيش حياة مكرسة بالكامل لله. كان الدير الذي انضم إليه
يضم رهبانًا يعيشون حياة الشركة المليئة بالمحبة والخدمة. ورغم الحياة الرهبانية الجادة داخل الدير، سمع أبا نفر عن حياة السواح في البراري الداخلية وكيف أنها أكثر زهدًا ونسكًا، فتملك قلبه شوق شديد لتلك الحياة المتفردة التي يترك فيها الإنسان كل شيء من أجل المسيح.

ذات ليلة، أخذ أبا نفر قليلًا من الطعام وغادر الدير متضرعًا إلى الله ليقوده إلى مكان يستطيع فيه أن يعيش هذه الحياة العميقة. وأثناء سيره في الظلام، ظهر له ملاك ليؤنسه ويرشده إلى حيث يعيش اليوم. هناك وجد نخلة وعين ماء تكفيانه بتدبير إلهي طوال حياته التي استمرت ستين عامًا دون أن يرى إنسانًا آخر سواه.
في صباح اليوم التالي للقاءهما، نزل ملاك الرب وأخبر أبا نفر بقرب انتقاله إلى السماء. تغيّر لون وجه القديس وصار كالنار، مما أدخل الرعب في قلب بفنوتيوس. لكن أبا نفر هدّأه وأشار إلى أن الرب أرسله ليقوم بدفن جسده بعد انتقاله. أكد له أيضًا على ضرورة عودته إلى العالم ليُحصي سير القديسين ويبشر بها لمجد المسيح.

نياحة القديس آفا نوفير السائح
قبيل انتقاله، ودّع أبا نفر بفنوتيوس وسجد متضرعًا للرب قبل أن يسلم روحه الطاهرة للآب السماوي. دفن بفنوتيوس القديس آفا نوفير السائح في مغارته، ولكن بتدبير سماوي غابت النخلة وجفّت العين ليعود بفنوتيوس إلى العالم حاملاً رسالة نشر ذكر القديسين السواح. كلمات أبا نفر الأخيرة لبفنوتيوس كانت تحثه على المثابرة وتذكّره بأن لكل إنسان رسالة خاصة به لنشر ملكوت الله على الأرض.
كانت هذه هي خلاصة حياة القديس أبا نفر السائح، المتوحدة بالله في براري الصعيد، وحياته المليئة بالعمق الروحي والانفصال الكامل عن العالم لأجل الاتحاد بالقدوس الذي لا يحده زمان ولا مكان.








