القيامة , تعيش مدينة القدس المحتلة هذا العام أجواءً حزينة واستثنائية خلال أسبوع الآلام وعيد القيامة المجيد، حيث فرضت التضييقات الإسرائيلية واقعاً مريرًا على المقدسيين والحجاج على حد سواء. ولأول مرة في تاريخ الاحتفالات الحديثة، وصلت الاستفزازات إلى حد منع موكب بطريرك اللاتين من دخول كنيسة القيامة في “أحد الشعانين”، ما دفع الكنائس لإعلان إجراءات تقشفية قصرت الطقوس على القادة والرهبان فقط، وحرمت آلاف المؤمنين من ممارسة شعائرهم في أقدس بقاع الأرض.

بروتوكول “الضرورة”: إلغاء المواكب التاريخية وحصر الصلوات
أعلنت بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس عن تعديلات جذرية في البروتوكول التنظيمي لصلوات الأسبوع المقدس. وبسبب القيود الأمنية المشددة، تقرر إلغاء صلاة “الليتاني” والموكب السنوي التقليدي الذي ينطلق عادة من قرية “بيت حسدا” لإحياء ذكرى دخول السيد المسيح إلى أورشليم؛ وذلك لوقوع القرية خارج أسوار المدينة المقدسة، مما جعل وصول المصلين إليها مستحيلاً في ظل الإغلاقات.
كما حددت البطريركية عدد المشاركين في خدمات أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء بـ 15 كاهنًا فقط داخل كنيسة القيامة، بينما سيضطر بقية الآباء والرهبان لأداء صلواتهم في كنيسة القديسين قسطنطين وهيلانة بمقر البطريركية، بعيداً عن الزخم الشعبي المعتاد.

“سبت النور” بلا حجيج في كنيسة القيامة : العودة لأجواء الجائحة
مع اقتراب لحظة خروج “النور المقدس” يوم السبت، والتي ينتظرها الملايين حول العالم، تبدو الساحة الأمامية لكنيسة القيامة خالية إلا من التعزيزات الأمنية. ووصف الراهب ثاوفيلس المحرقي، من بطريركية الأقباط الأرثوذكس بالقدس، المشهد بأن صلوات هذا العام ستشبه إلى حد كبير فترة جائحة كورونا، حيث سيقتصر الحضور على رؤساء الكنائس (الأقباط، اللاتين، والروم الأرثوذكس) ومعهم عدد محدود جداً من الخدام والرهبان.
هذا الإجراء جاء نتيجة رفض سلطات الاحتلال منح التصاريح اللازمة للمقدسيين وأبناء المحافظات الفلسطينية، فضلاً عن العوائق التي وضعت أمام الحجاج الأجانب، مما أدى إلى إلغاء كافة مظاهر الاحتفال الخارجية والاكتفاء بالجانب الطقسي داخل الجدران المغلقة.

دلالات المنع: استهداف الهوية المسيحية في المدينة المقدسة
يرى مراقبون وقيادات كنسية أن هذه التضييقات تتجاوز “الدواعي الأمنية” لتصل إلى محاولة طمس المظاهر السيادية للكنائس في القدس. إن منع المواكب الرسمية والاعتداء على مسارات البطاركة يمثل سابقة خطيرة تهدد “الستاتيكو” (الوضع الراهن) المعمول به منذ قرون.
ورغم هذه الغمة، تحتفظ الكنائس بإقامة خدمة “غسل الأرجل” الرمزية، للتأكيد على معاني الاتضاع والصمود، في رسالة صامتة من قلب القبر المقدس بأن الإيمان لا يُحد بالأسوار، وأن “النور” سيخرج رغم كل محاولات الإظلام والمنع.








