الأحوال الشخصية , تشهد أروقة الكنيسة القبطية والمجتمع المسيحي في مصر تحولاً تاريخياً ومنتظراً في ملف “الأحوال الشخصية”، حيث كشف المستشار منصف سليمان، عضو المجلس الملي العام، عن ملامح مسودة القانون الجديد التي طال انتظارها. هذه التعديلات ليست مجرد تغيير في مواد قانونية، بل هي “ثورة إنسانية” تهدف إلى مداواة جروح آلاف الأسر وتحقيق عدالة ناجزة تتماشى مع واقع القرن الحادي والعشرين.

من “الغش في البكورية” إلى “الشفافية المطلقة”: مفهوم جديد للبطلان
لسنوات طويلة، كان بطلان عقد الزواج في الكنيسة محاطاً بقيود صارمة وشروط ضيقة، لعل أبرزها قصر مفهوم الغش على “البكورية” وضرورة رفع الدعوى في غضون 3 أشهر فقط. لكن التعديلات الجديدة، وبناءً على رؤية مستنيرة من البابا تواضروس الثاني، قررت كسر هذه القيود.
أصبح تعريف الغش الآن يستند إلى “القانون المدني”، وهو ما يعني أن أي تدليس أو إخفاء لمعلومات جوهرية يمس جوهر العلاقة الزوجية يُعد سبباً لبطلان العقد. لم يعد الأمر مقتصرًا على العذرية، بل امتد ليشمل الغش في المؤهل الدراسي، أو الحالة الاجتماعية، أو الحالة الصحية. الهدف هنا هو إرساء مبدأ “الشفافية المطلقة”؛ فالزواج الذي يُبنى على كذب لا يمكن أن يستمر كبيت مقدس، والقانون الجديد جاء ليحمي الطرف المتضرر من خداع لم يكن ليرضى بالزيجة لو علمه.

مصلحة الطفل أولاً: من “ساعتي المشاهدة” إلى “حق المبيت والاستضافة”
لعل الجزء الأكثر ملامسة للمشاعر في التعديلات الجديدة هو ما يتعلق بحقوق الآباء والأبناء بعد الانفصال. لسنوات، كان الأب (أو الطرف غير الحاضن) يعاني من مذلة “الرؤية” في مراكز الشباب لمدة ساعتين تحت مراقبة أمنية واجتماعية، وهو وضع وصفه الكثيرون بأنه “سجن للطفل قبل الأب”.
التعديلات الجديدة نسفت هذا المفهوم، واستبدلته بمبدأ “المصلحة الفضلى للطفل”. لم تعد العلاقة مجرد “رؤية”، بل أصبحت “استضافة”. يحق للأب الآن أن يقضي ابنه معه عطلة نهاية الأسبوع، وأن يبات الطفل في منزل والده، بل ويحق له اصطحابه في السفر والفسحات والمصايف. هذا التحول يحمي الطفل من الاغتراب النفسي عن والده، ويضمن نشأة سوية قائمة على وجود الطرفين في حياة الطفل، حتى لو انفصلا جسدياً.

مرونة رقمية وعصر جديد للعدالة الأسرية في قانون الأحوال الشخصية
لم يغفل القانون الجديد التطور التكنولوجي، حيث استحدث مادة تتيح “الرؤية عبر برنامج زوم (Zoom)” في حالات السفر، لضمان ألا تنقطع صلة الرحم بسبب المسافات. إن لجوء الكنيسة للقانون المدني في تعريفات الغش، وتبسيط الإجراءات، يعكس رغبة حقيقية في تجنب تعقيد الأمور والحفاظ على كرامة الإنسان.
هذه التعديلات تمثل جسراً يعبر بالأسرة المسيحية من ضيق النصوص القديمة إلى رحابة العدالة الاجتماعية. إنها رسالة طمأنة بأن الكنيسة والقانون يقفان في صف المظلوم، ويسعيان لبناء مجتمع سوي يبدأ من إنصاف أفراده في أدق تفاصيل حياتهم الشخصية. نحن أمام قانون لا يكتفي بتنظيم الانفصال، بل يعيد صياغة مفهوم “الحق الإنساني” داخل الأسرة.








