المسيح , في قلب صالة 2 بمطار القاهرة الدولي، يقف المسافرون أمام قطعة فنية ليست مجرد أثر، بل هي “وثيقة سفر” عبر الزمن. استعرض المتحف لوحة أثرية استثنائية لعتبة خشبية عليا (Lintel)، محفورة بدقة متناهية، تروي تفاصيل أحد أهم الأعياد السيدية الكبرى في التاريخ القبطي والمصري: “دخول السيد المسيح أورشليم” أو ما يعرف بـ “أحد الشعانين”.

عبقرية الحفر البارز للوحة السيد المسيح: كيف طوّع الفنان القبطي أخشاب “الجميز”؟
تجسد اللوحة مشهد السيد المسيح وهو يجلس على “جحش” في وضعية الركوب الجانبي، وهي سمة فنية أصيلة تميز الفن القبطي القديم. أبدع الفنان في استخدام أسلوب الحفر البارز العميق على خشب “الجميز أو السنط”، مما خلق تلاعباً مذهلاً بين الضوء والظلال.
هذا التكنيك الفني أضفى حيوية واقعية على القطعة؛ حيث تظهر ثنيات الملابس وحركة الحيوان وملامح الوجوه بدقة تثير الدهشة، رغم بساطة الأدوات المستخدمة في ذلك العصر. وتعود هذه القطعة النادرة إلى الفترة الانتقالية ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي، وهي مرحلة نضوج الفن القبطي وتأثره باللمسات الهيلينستية مع الحفاظ على الهوية المصرية المحلية.

نصوص مقدسة وتوثيق جمالي: شريط الكتابة اليونانية
لا تتوقف قيمة اللوحة عند المشهد التصويري فحسب، بل يعلوها شريط من الكتابة اليونانية المحفورة ببراعة فائقة. هذا النص الديني، الذي يُعتقد أنه “ترتيلة تمجيد” أو آية كتابية، لا يعمل فقط كعنصر توثيقي للحدث، بل يمثل جزءاً لا يتجزأ من التصميم الجمالي للوحة.
تنسيق الحروف مع المشهد المحفور يعكس مدى التطور الثقافي والفني في تلك الحقبة، وكيف كان الفنان القبطي يدمج اللغة مع الفن ليخلق قطعة متكاملة الأركان تخاطب الوجدان والعقل معاً.

خشب “المعلقة” وواجهات الكنائس: وثيقة تاريخية على قدم الاحتفال
تعتبر هذه اللوحة “العتبة” دليلاً قاطعاً على قِدَم الاحتفال بأحد الشعانين (أحد السعف) في مصر، وكيف كان المصريون الأوائل يوليون هذا العيد اهتماماً خاصاً. وتوضح القطعة كيف استُخدم الخشب كعنصر أساسي في تزيين واجهات الكنائس وأعتاب الهياكل القديمة، محولاً مداخل دور العبادة إلى لوحات تحكي قصص الإيمان.
إن وجود هذه اللوحة في متحف مطار القاهرة يمنح الزوار والمسافرين فرصة ذهبية للتعرف على جزء أصيل من التراث المصري، يؤكد أن فن الحفر على الخشب في مصر لم يكن مجرد حرفة، بل كان لغة بليغة للصمود والجمال عبر القرون.








