مارس , في تقويم الكنيسة القبطية، لا يمر شهر مارس (آذار) كغيره من الشهور؛ فهو بمثابة “بستان روحي” تفتحت فيه زهور القداسة لعدد من أعظم القامات التي عرفها العصر الحديث. في هذا الشهر، تلتقي ذكرى رحيل بطاركة عظام بذكرى رهبان وأباء كهنة تركوا بصمات لا تُمحى في وجدان المؤمنين، ليتحول الشهر إلى رحلة إيمانية تجمع بين عبق التاريخ ونور الحاضر.

وداع العمالقة: في شهر مارس من “رجل الصلاة” إلى “معلم الأجيال”
يشهد مارس ذكرى انتقال رمزين من أعظم بطاركة الكنيسة القبطية في القرن العشرين. في التاسع منه ، نحيي ذكرى البابا كيرلس السادس، ذلك الراهب المتوحد الذي جلس على الكرسي المرقسي ليملأ الأرض صلاة ومعجزات. عُرف بزهد “طاحونة المقطم” وقوة الشفاعة، وظل نموذجاً حياً للتقوى التي لم تهزها أضواء المناصب.
وبعده بثمانية أيام فقط، وتحديداً في 17 مارس، تطل علينا ذكرى البابا شنودة الثالث، “ذهبي الفم” ومعلم الأجيال. البابا الذي قاد السفينة لأكثر من أربعة عقود بالحكمة والتعليم والإصلاح، تاركاً خلفه ثروة من الكتب والعظات التي ما زالت تغذي عقول وقلوب الملايين حول العالم، ليظل حاضراً بكلماته التي لا تموت.

قديسون من قلب الخدمة: مدرسة “سبورتنج” ومنهج “الإنجيل المعاش”
لا تقتصر بركة الشهر على الكرسي البابوي، بل تمتد لتشمل أباءً حولوا الخدمة إلى “حمل صليب” يومي. ففي 21 مارس، تحتفل الكنيسة بذكرى القمص بيشوي كامل، أيقونة كنيسة مارجرجس بسبورتنج، الذي علمنا كيف يكون الألم طريقاً للقداسة.
وفي 26 من الشهر ، نستذكر القمص ميخائيل إبراهيم، الذي لم يكن مجرد كاهن، بل كان “إنجيلاً معاشاً” يتحرك بين الناس. عُرف بهدوئه العجيب وبصيرته الروحية كمرشد لنخبة من خدام الكنيسة، ومن بينهم البابا شنودة نفسه، مما يجعله حلقة وصل فريدة في سلسلة القداسة المعاصرة.

ظلال القديسين: من يوسف النجار إلى “نسور البرية”
وإلى جانب القديسين المعاصرين، يخصص هذا الشهر تكريماً خاصاً للقديس يوسف النجار، حامي العائلة المقدسة، الذي يضرب به المثل في الطاعة الصامتة والمسؤولية الإلهية. كما يستعيد فيه المؤمنون سيرة القديس أبو فانا المتوحد، وذكرى “نسر البرية” أبونا فلتاؤس السرياني، الذي كان يمثل امتداداً لرهبنة الآباء الأوائل في شدة نسكه وشفافيته الروحية.
إن هذا الشهر في الكنيسة القبطية ليس مجرد صفحات في السنكسار، بل هو “محطة تزوّد” روحية، تذكرنا بأن القداسة ليست قصصاً من الماضي، بل هي حياة معاشة بدأت في الطواحين والمغارات واستمرت في الكاتدرائيات والمدارس، لتظل الكنيسة حية بشفاعة أبنائها الأوفياء.








