تُحيي الكنيسة الأرثوذكسية اليوم ذكرى البابا يوساب الثاني، البابا رقم 115 للكنيسة القبطية.
وفي هذا السياق، أوضح ماجد كامل، الباحث المتخصص في التاريخ القبطي وعضو لجنة التاريخ الكنسي، أن البابا يوساب الثاني وُلد عام 1876 في قرية دير الشهيد فيلوثاوس بالنغاميش التابعة لمركز البلينا بمحافظة سوهاج.

سيرة البابا يوساب الثاني الـ 115
عندما بلغ الثامنة عشرة من العمر، قصد دير الأنبا أنطونيوس في البحر الأحمر ليبدأ رحلته الروحية، واختار لنفسه اسم الراهب إقلاديوس الأنطوني. هناك، انكب على القراءة، وتعمق في دراسة المخطوطات والكتب بجد وشغف كبير.
وأشار ماجد كامل إلى اهتمام الأنبا يوأنس، مطران البحيرة ووكيل الكرازة المرقسية حينذاك (لاحقًا البابا يوأنس التاسع عشر)، بتطوير وتعليم الرهبان. ونتيجة لذلك، ألحق الراهب إقلاديوس بمدرسة الرهبان اللاهوتية بالإسكندرية.
فيما يتعلق بدراسته الخارجية، أضاف أنه نتيجة لنشاطه وتميزه، تلقى الراهب إقلاديوس بعثة دراسية إلى مدرسة ريزاريس في أثينا بتمويل خاص. وكان من ضمن زملائه في هذه الدفعة الراهب إغريستوفروس، الذي أصبح لاحقًا مطرانًا للروم الأرثوذكس في الزقازيق قبل أن ينتخب بطريركًا للروم الأرثوذكس عام 1939.
وعند عودته إلى مصر، أشار كامل إلى أن الأنبا تيموثاوس، مطران القدس آنذاك (1899-1925)، استدعاه ليعينه رئيسًا لدير الأقباط في يافا. لاحقًا، ترقى الراهب إقلاديوس ليشغل منصب رئيس عام أديرة القدس وسائر أراضي فلسطين.
ونظرًا لما أظهره من براعة في اللغات وحنكة في العلاقات المسكونية، نجح في معالجة الخلافات بين الكنائس المختلفة بشأن كنيسة القيامة في القدس. تمكن من تحقيق توافق يمنح كل كنيسة حق احتفاظها بتقاليدها حول القبر المقدس، مما أكسبه تقدير الجنرال ستورس، الحاكم البريطاني للقدس حينذاك، الذي عبر عن إعجابه بجهود القمص إقلاديوس في خطاب أرسله إلى مرقس باشا سميكة.
وفي مرحلة لاحقة، عندما خلا كرسي أسقفية جرجا، اختاره كهنة و وجهاء البلينا وجرجا ليكون أسقفًا عليهم. تم رفع الطلب إلى البابا كيرلس الخامس، الذي وافق سريعًا واستدعى الراهب إقلاديوس ليمنحه رتبة الأسقف على كرسي البلينا وجرجا باسم الأنبا يوساب يوم 5 نوفمبر 1920.

احتجاج أقباط البلينا على الرسامة وسعيهم للانفصال الإداري عن كرسي جرجا:
قام أعيان البلينا بالتعبير عن استيائهم من الرسامة، ليس اعتراضًا على شخص الأنبا يوساب، بل رغبةً منهم في تحقيق انفصال إداري عن مدينة جرجا. استجاب البابا كيرلس الخامس لهذه الرغبة، وتم فصل البلينا عن جرجا، ثم عين القمص فيلوثاوس المقاري، سكرتيره الخاص، أسقفًا للبلينا.
أبرز إنجازات الأنبا يوساب في جرجا:
في مدينة جرجا، أولى الأنبا يوساب اهتمامًا كبيرًا بمجال التعليم، حيث قام بإنشاء المدارس الأولية والثانوية، وبناء كنيسة فاخرة إلى جانب دار للمطرانية. كان دائم الحرص على زيارة شعبه في المدن والقرى، ما جعله محل تقدير ومحبة الجميع.
يُعدد مجدي جرانت كيرلس في كتابه إنجازات الأنبا يوساب في مطرانية جرجا، من بينها: بناء دار للمطرانية، تأسيس وإعادة توسيع وتجديد الكنائس في المدينة والقرى المجاورة، إنشاء مدرسة الأقباط الأولية، إلى جانب العديد من المشروعات الإنشائية والخدمية. كما عمل على إصلاح العلاقات المتوترة بين العائلات المختلفة.
استضاف الأنبا يوساب شخصيات بارزة مثل سعد زغلول أثناء رحلته الثانية إلى الصعيد عام 1921، كما استقبل العلامة الأنبا إيسيذوروس خلال زيارته للصعيد في عام 1925.
مشاركته مع البابا كيرلس الخامس في زيارة أثيوبيا:
في عام 1930، رافق الأنبا يوساب البابا يوأنس التاسع عشر خلال زيارته التاريخية لأثيوبيا، برفقة عدد من المطارنة المستنيرين. ترك الأثيوبيون انطباعًا رائعًا عن الأنبا يوساب بعد هذه الزيارة. وفي وقت تنصيب الملك تفري كإمبراطور للحبشة إثر وفاة الإمبراطورة زوديتو، أرسل البابا يوأنس وفدًا برئاسة الأنبا يوساب لإتمام مراسم التتويج. تمت مراسم تنصيب الإمبراطور هيلاليسلاسي الأول رسميًا في 2 نوفمبر 1930.

اختياره قائم مقام للبابا يوأنس التاسع عشر:
في يونيو 1935، عيّن البابا يوأنس التاسع عشر الأنبا يوساب نائبًا بابويًا أثناء سفره إلى أوروبا. وبعد وفاة البابا يوأنس في يونيو 1942، اتفق المجمع المقدس والمجلس الملي على اختياره قائمقامًا للبطريرك. بقي الأنبا يوساب قائماً مقامًا لمدة تجاوزت السنة ونصف.
يشير المؤلف مجدي جرانت كيرلس إلى قيامه بمطالبة المجمع المقدس بوضع ضوابط لقبول الرهبان الجدد بالدير، ومنها الحصول على شهادة المدرسة الإكليريكية.
البابا يوساب الثاني و ترشيحه للكرسي البابوي:
بعد وفاة البابا يوأنس التاسع عشر، تم ترشيح الأنبا يوساب للبطريكية لأول مرة مع الأنبا مكاريوس مطران أسيوط. جاءت الانتخابات لصالح الأنبا مكاريوس الذي تولى المنصب في فبراير 1944.
وفي المرة الثانية بعد رحيل البابا مكاريوس الثالث في أغسطس 1945، رشح الأنبا يوساب مجددًا للبطريكية، وكانت النتائج هذه المرة لصالحه بفارق كبير عن منافسيه.

تنصيبه بطريركًا تحت اسم “البابا يوساب الثاني”:
تولى الأنبا يوساب منصب البطريرك رسميًا في مايو 1946 باسم البابا يوساب الثاني خلال احتفال بالكنيسة المرقسية الكبرى بالأزبكية. شارك في التنصيب جميع مطارنة وأساقفة المجمع المقدس إلى جانب كبار الشخصيات السياسية والدينية.
استقبله الملك فاروق الأول بالقصر الملكي ودار بينهما حوار يبرز فيه سؤال الملك عن الحقبة التي عاش فيها البابا يوساب الأول. أجاب قداسة البابا قائلًا إنها كانت عهد الخليفة المأمون.








