أول من وضع صوم الميلاد كفرض رسمي في الشرق كان البابا خريستوذولس، البطريرك السادس والستين للكنيسة القبطية الأرثوذكسية (1046-1077)، وذلك ضمن قوانينه التي نظم من خلالها الأصوام المفروضة. حيث أشار إلى صوم الميلاد قائلاً إنه يمتد من عيد مار مينا في الخامس عشر من هاتور إلى التاسع
والعشرين من كيهك. وأوضح أنه إذا صادف عيد الميلاد يوم الأربعاء أو الجمعة، يفضل الاحتفال به دون الصيام. الأمر ذاته ينطبق على عيد الغطاس المقدس، الذي يُحتفل به في 11 طوبة، إذا توافق مع يومي الأربعاء أو الجمعة.

صوم الميلاد فى المسيحية
واستمرت الإشارات إلى صوم الميلاد في كتابات مؤرخي الكنيسة القبطية، مثل ابن العسال في القرن الثالث عشر، الذي وصف الصوم بأنه يبدأ في النصف الثاني من هاتور حتى يوم الميلاد. وأضاف المؤرخ ابن كبر أن الصوم يمتد أحيانًا إلى 40 يومًا، محدداً بدايته في 16 هاتور أو 21 منه حسب بعض الآراء.
أما يوحنا ابن أبي زكريا ابن السباع، الذي يُعد من أبرز المؤرخين الأقباط في القرن نفسه، فقد قدم تفسيراً روحياً لهذا الصوم في كتابه “الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة”. وأرجع السبب وراء صوم الميلاد إلى ما تعرضت له السيدة مريم العذراء من تعييرات خلال حملها الطاهر، حيث كانت تتألم بسبب الاتهامات
الموجهة لها رغم نقائها. فكانت تصوم وتصلي بحزن طوال شهر ونصف طلباً للراحة والسكينة. وقد تأسس التقليد القبطي على الاقتداء بهذه النماذج الروحية، حيث يُصام امتثالاً لصوم السيد المسيح ولما صامته السيدة العذراء خلال هذه الفترة المباركة.

قرار البابا غبريال الثامن
في تقليص مدة صيام الميلاد إلى 28 يومًا صدر خلال فترة خدمته كبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (1587-1603). ووفقًا لدراسة أجراها القس يوحنا زكريا نصرالله، راعي كنيسة السيدة العذراء بجزيرة الخزندارية بطهطا، ونشرتها الكنيسة الكاثوليكية القبطية بالإسكندرية، أقر البابا غبريال الثامن أن يبدأ صيام الميلاد مع حلول شهر كيهك، ويُختتم بالاحتفال بعيد الميلاد، مما جعله يمتد لمدة 28 يومًا فقط.
الصيام في مساره التاريخي
كان له أصول وترتيبات مختلفة. وفقًا للقمص يوحنا سلامة، مؤلف سلسلة “اللآلئ النفيسة في شرح طقوس ومعتقدات الكنيسة”، كان صوم الميلاد مخصصًا في بدايته للإكليروس فقط. ومع مرور الزمن، وبسبب تزايد اعتياد معظم المسيحيين عليه ورغبتهم في الانتفاع الروحي من الصيام، أقرّه الأنبا خرستوذولس، البطريرك السادس والستون للكنيسة القبطية، كصوم عام على جماعة المؤمنين في القرن الحادي عشر.

متى اصبح صوم الميلاد43 يومًا
أما مدة الصوم بشكله الحالي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية البالغ 43 يومًا، فقد نشأت عن تعديل التقاليد السابقة. كما أشار القس كيرلس كيرلس، كاهن كنيسة الشهيد مارجرجس القبطية الأرثوذكسية بشبرا، فقد عمل الأنبا خرستوذولس على محاكاة عدد أيام الصوم الكبير وأضاف إليه ثلاثة أيام مرتبطة
بمعجزة نقل جبل المقطم التي جرت في عهد الأنبا إبرآم بن زرعة السرياني. ومع هذا، لم يتم الالتزام بهذا التعديل دائمًا؛ ففي الصعيد مثلاً كان الصوم يستمر 28 يومًا فقط حتى أقرّه البابا غبريال الثامن.
ومع ذلك، عادت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعد وفاة البابا غبريال الثامن إلى تفاصيل الصوم كما كانت سابقًا بواقع 43 يومًا. أما باقي الكنائس، فقد حافظت على مدة الأربعين يومًا فقط منذ اعتماد هذا الصوم.








