كيهك , تستعد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لبدء شهر كيهك في 9 ديسمبر ، وهو الشهر الرابع من السنة القبطية، والذي يحظى بمكانة خاصة في الطقس الكنسي لما يرتبط به من استعدادات روحية تمهّد للاحتفال بعيد الميلاد المجيد في 7 يناير 2026. ويُعرف هذا الشهر تاريخيًا وروحيًا باسم “الشهر المريمي” نظرًا لارتباطه الوثيق بالسيدة العذراء مريم، حتى بات من أغنى شهور السنة الليتورجية بالتسابيح والمدائح التي تمجّدها وتستحضر بشارتها للعالم.
على مدار هذا الشهر، تعيش الكنائس والأديرة حالة روحانية فريدة، تتميز بالسهرات الطقسية الطويلة والتراتيل المستوحاة من نبوات العهد القديم وبشائر العهد الجديد، فيما يتوجّه الشعب في صلواته إلى التأمل في سر التجسد الإلهي وتهيئة القلوب لاستقبال ميلاد السيد المسيح.

١. كيهك… شهر مريمي يحتل مكانة مميزة في الطقس القبطي
يحمل الشهر رمزية عميقة في التراث الروحي القبطي، إذ خصصته الكنيسة للعذراء مريم تقديرًا لدورها في تحقيق الخلاص وتجسد كلمة الله. وقد أطلقت عليه اسم “الشهر المريمي” لما يتخلله من تسابيح خاصة بالعذراء، تسطّرها الإبصلمودية التي يلتزم بها الكهنة والشمامسة والشعب خلال السهرات الليلية.
وتحتوي الإبصلمودية على مجموعة ثرية من التماجيد والمدائح التي تصف العذراء بأنها “السماء الثانية” و”المجمرة الذهبية”، وتستعرض نبوات ورموزًا من العهد القديم تشير إلى تجسد المسيح في أحشائها. وتُعد هذه النصوص من أقدم ما ورثته الكنيسة من التراث السرياني والقبطي والبيزنطي، ما يجعل كيهك شهرًا يجمع بين الجانب التاريخي والروحاني في آن واحد.

٢. طقوس كيهك وسهراته… بين التمجيد والاستعداد للميلاد
تتميز صلوات هذا الشهر بطابع خاص من الفرح الروحي، حيث تتردد المدائح والتراتيل على مدار ساعات طويلة خلال ليالي الشهر، خاصة ليلة كل أحد، التي تُقام فيها ما يُعرف بـ سهرات “سبعة وأربعة”.
وترجع تسمية “سبعة وأربعة” إلى سبعة تذاكيات تمثل أيام الأسبوع، وأربعة هوسات يومية تعد أركانًا أساسية للتسبيح القبطي. ورغم أن الأصل التاريخي لهذه التسابيح كان توزيعها على أيام الأسبوع، فإن الكنيسة تجمّعها في ليلة واحدة خلال شهر كيهك فقط، بينما تستمر بعض الأديرة في اتباع النظام القديم، حرصًا على دقة الطقس ورمزيته.
وخلال هذه السهرات، يُمزج بين الهوسات القرآنية “التسبيح بالمزامير”، والترانيم المريمية، والمدائح التي تبرز رموز التجسد، فيتنقل المصلّون بين مقامات موسيقية روحية واستذكارات لآيات نبوية تشهد لميلاد المخلّص.

٣. الاستعداد الروحي للميلاد… بين التأمل والتسبيح
لا يقتصر الشهر على التسابيح فحسب، بل يعد فترة تأمل روحي عميق يستعد خلالها المؤمنون لقبول نور الميلاد. فجوهر هذا الشهر هو الانتقال من الظلمة إلى النور، استنادًا إلى نبوات العهد القديم عن مجيء المسيح “شمس البر”، وتجسد الكلمة لخلاص البشرية.
وتؤكد الكنيسة أن هذا الشهر هو مدرسة روحية يتدرّب فيها المؤمن على التسبيح، الصبر، الصلاة، واستقبال الفرح الإلهي، خاصة مع اقتراب عيد الميلاد. ولذلك، تُحيي خلاله الكنائس أمسيات روحية وخدمات شبابية تُشجع على التأمل في سر التجسد وتجديد الحياة.
ومع اقتراب بداية الشهر ، تتزين الكنائس بالألحان المميزة، ويستعد الشعب لصهرات تمتد حتى الفجر، في واحدة من أجمل الفترات الروحية في السنة الليتورجية، التي تمهّد الطريق للاحتفال بميلاد المسيح في طقس يفيض بالدفء والإيمان.








