الشماسات , آثار ظهور عدد من الصور ومقاطع الفيديو داخل كنيسة تابعة لإيبارشية أوتاوا ومونتريال وشرق كندا موجة واسعة من الجدل، بعد أن ظهرت مجموعة من الفتيات يرتدين زيًا أبيض داخل الهيكل ويتقدمن نحو المذبح بطريقة بدت للبعض وكأنها «رسامة شماسات». هذا المشهد فُسّر على أنه خطوة غير مسبوقة في اتجاه منح المرأة درجة كهنوتية، وهو ملف يُعد من أكثر القضايا حساسية داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
ومع انتشار الفيديوهات كالنار في الهشيم، بدأت التساؤلات: هل غيّرت الكنيسة موقفها التقليدي؟ أم أن ما حدث مجرد سوء فهم بين طقس التكريس وطقس الرسامة الكهنوتية؟
لم يطل انتظار رد الكنيسة، إذ اجتمعت اللجنة الدائمة للمجمع المقدس برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني وبمشاركة أسقف الإيبارشية الأنبا بولس، وأعلنت قرارًا واضحًا باعتبار ما جرى كأن لم يكن، أي أنه غير معترف به طقسيًا. كما وافق البابا على طلب الأنبا بولس قضاء فترة خلوة روحية كخطوة تهدف لتهدئة الأجواء والحفاظ على سلام التعليم داخل الكنيسة في الداخل والخارج.

جذور تاريخية تعود إلى الكنيسة الأولى وتطوّر عبر القرون
أعادت الأزمة فتح باب البحث التاريخي حول ما يُعرف بـ«خدمة الشماسات». فالمصادر الكنسية القديمة تكشف أن النساء لعبن دورًا مهمًا في حياة الكنيسة الأولى، خاصة أثناء معمودية النساء حين كانت الحاجة قائمة لحفظ الخصوصية. وقد شاركت الشماسات في خدمة الأرامل والعناية بالفقراء وتنظيم وجود السيدات داخل الكنيسة، لكن هذه الخدمة لم تكن درجة كهنوتية، ولم تُمارس بوضع اليد، ولم تدخل أي شماسة إلى الهيكل.

ومع تطور المجتمع وتغير احتياجات الخدمة، بدأت هذه الأدوار تتراجع شيئًا فشيئًا حتى اختفت بالكامل في القرن الثالث عشر، وظلت محفوظة في الكتب فقط.
وفي القرن العشرين، أعاد البابا الراحل البابا شنودة الثالث تفعيل هذه الخدمة عام 1981، لكنه وضع لائحة دقيقة تؤكد أن التكريس لا يتحول إلى رسامة كهنوتية، وأن الشماسات لا يدخلن الهيكل ولا ينلن وضع اليد الكهنوتي. كما عُززت هذه القواعد بتعديلات عام 2010 لإغلاق الباب أمام أي اجتهاد فردي قد يسبب بلبلة.

موقف الكنيسة اليوم من رسامة الشماسات … تكريم للمرأة وثبات على التقليد الرسولي
بعد انتشار الجدل حول واقعة كندا، نشر قداسة البابا تواضروس الثاني مقالًا بعنوان «مفاهيم كنسية» في مجلة الكرازة، أوضح فيه أن خدمة المرأة جزء أصيل من حياة الكنيسة، وأنها شريكة في التعليم والرعاية والأنشطة الاجتماعية، لكن درجات الكهنوت—including الشماسية الكهنوتية—تبقى مقصورة على الرجال فقط بحسب التقليد الرسولي المتوارث.
كما أكّد أساقفة وخبراء، من بينهم الأنبا أغاثون والباحث كريم كمال، أن الخلط بين التكريس النسائي وبين الرسامة الكهنوتية هو ما يعيد الجدل كل فترة، وأن الكنيسة لا تمنع الخدمة عن المرأة بل تنظّمها حتى لا تختلط الحدود بين الخدمة العامة وسر الكهنوت.

وإلى جانب ذلك، نشر الموقع الرسمي للكنيسة توضيحًا أن الفتاة المكرسة تُعتبر شماسة لكن وفق «نظام تكريس» يمنحها بركة وضع اليد على الكتف وليس الرأس، وهو ما يميز بوضوح بين الخدمة وبين الكهنوت.
وهكذا يتضح أن موقف الكنيسة ثابت عبر الأجيال: خدمة المرأة مُقدّرة ومفتوحة، أما الكهنوت فمخصص للرجال بحسب التقليد الذي تسلمته الكنيسة منذ عهد الرسل. وبين التاريخ والعقيدة، تستمر الكنيسة في الحفاظ على طقسها وتقاليدها، فيما تبقى المرأة شريكة كاملة في الخدمة، كلٌ في موضعه، لخدمة جسد المسيح الواحد.








