ميلاد , تفصل مسافة تقارب مئة كيلومتر بين غزة وبيت لحم، لكن الرابط بين المدينتين يتجاوز الجغرافيا إلى معنى أعمق يتصل بتاريخ الألم والأمل معًا. في بيت لحم، جنوب القدس، أُضيئت شجرة عيد الميلاد في ساحة كنيسة المهد بعد عامين من الصمت والظلام، فرضتهما الحرب على غزة. عادت الأضواء هذه المرة محمّلة برسالة واضحة: التمسك بالحياة والدعوة إلى السلام.

مظاهر الاحتفال بالعيد
رئيس بلدية بيت لحم، ماهر قنواتي، الذي كان وراء إحياء الاحتفالات منذ عام 2011، أكد أن إشعال الشجرة ليس احتفالًا عابرًا، بل نداء موجه إلى العالم من فلسطين كلها، بما فيها غزة، بأن الشعوب المنهكة بالحروب لا تزال تتطلع إلى مستقبل آمن.
في العامين الماضيين، كان المشهد مختلفًا تمامًا؛ صلوات بلا احتفالات، وأجراس تقرع بحزن، ومجسم للمسيح الطفل محاط بالركام ويلف بالكوفية الفلسطينية، في تعبير رمزي عن واقع الحرب ومعاناة الأطفال. كانت الرسالة آنذاك أن الميلاد في زمن الحرب يتحول إلى شهادة على الألم بدل الفرح.

قتل الأطفال… حين يتكرر التاريخ منذ ميلاد المسيح
تحمل قصة ولادة المسيح في جوهرها مأساة إنسانية قديمة، حين أمر الملك هيرودس بقتل أطفال بيت لحم خوفًا على سلطته. وبعد أكثر من ألفي عام، يعود المشهد بصورة مختلفة في غزة. فالحرب التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر 2023 خلّفت عشرات الآلاف من القتلى، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والرضع.
في كنيسة القديس برفيريوس بمدينة غزة، ثالث أقدم كنيسة في العالم، اختلطت الصلوات بالدموع. هناك فقد رامز الصوري أبناءه الثلاثة وعددًا من أفراد عائلته خلال قصف استهدف الكنيسة التي لجأوا إليها. لم تكن الخسارة بالنسبة له أرقامًا في تقارير، بل وجوهًا صغيرة غابت عن مقاعد الكنيسة. في كل عيد، يعود الألم ذاته، وكأن الزمن توقف عند لحظة الفقد، رغم توقف القتال لاحقًا باتفاق لوقف إطلاق النار.

النزوح والعودة… درب لا ينتهي
كما هربت العائلة المقدسة قديمًا إلى مصر اتقاءً للخطر، عاش الفلسطينيون في غزة تجربة نزوح قاسية. مئات الآلاف اضطروا إلى مغادرة منازلهم مرات متكررة بحثًا عن الأمان، بينما رفض آخرون الرحيل، معتبرين أن البقاء أهون من موتٍ مؤجل في طرق النزوح. قصص النزوح تتقاطع بين الأجيال، مثل حكاية طوني المصري، الذي ذاق مرارة اللجوء منذ نكبة 1948، ليجد نفسه اليوم يحتفل بالعيد أمام خيمة بعد أن فقد بيته مرة أخرى.

عيد الميلاد في فلسطين
ومع عودة بعض النازحين عقب وقف الحرب، اصطدموا بواقع الدمار الكامل ونقص الخدمات، ثم جاءت الأمطار والسيول لتضاعف المأساة. ورغم ذلك، يحاول المسيحيون القلائل الباقون في غزة، وعددهم نحو 700 شخص، صناعة فرح بسيط للأطفال. في الكنائس ومراكز الإيواء، تُصنع أشجار الميلاد من الكرتون والورق، وتُرفع الصلوات من أجل السلام.
هكذا يبقى الميلاد في فلسطين قصة متجددة، تختلط فيها رمزية الخلاص بواقع المعاناة، وتبقى الرسالة واحدة: رغم الحرب والدمار، لا يزال الأمل ممكنًا.








