تواضروس , حين تجلس إلى قداسة البابا تواضروس الثاني، تشعر أنك أمام شخصية تجمع بين عمق الحكمة وهدوء الروح، رجل لم يحمل يومًا خطابًا منغلقًا، بل انحاز منذ جلوسه على الكرسي المرقسي إلى الوطن بوصفه الإطار الأوسع الذي يحتضن الجميع. في حديثه عن السنوات الثلاث عشرة التي قضاها بابا للإسكندرية، يؤكد أن مبدأه الثابت كان دائمًا «البلد أولاً»، معتبرًا أن سلام الوطن هو المدخل الحقيقي لسلام الكنيسة والمجتمع.
ويرى البابا أن الأزمات التي مرت بها مصر، على اختلاف أشكالها، كانت كاشفة لمعادن البشر، مفرّقة بين من يعمل من أجل الصالح العام ومن ينغلق على مصلحته الخاصة، مشيرًا إلى أن العناية الإلهية كانت حاضرة في عبور هذه التحديات، وأن الإيمان الحقيقي يتجسد في العمل والالتزام والمسؤولية تجاه الوطن.

البابا تواضروس يتحدث عن الكنيسة والمواطنة والدولة.. رؤية قائمة على السلام
يوضح البابا أن الكنيسة القبطية كنيسة وطنية لا تمارس السياسة، وأن علاقتها بالدولة تقوم على الصلاة من أجل الرئيس والبلاد، لا على التدخل أو الاصطفاف. ويؤكد أن العلاقة الحالية بين الكنيسة والدولة تقوم على التوافق في الهدف، وهو صالح مصر، ما أسهم في تحقيق قدر كبير من الاستقرار.
وفيما يتعلق بالمشاركة السياسية، شدد البابا على أن الانتخابات واجب وطني، داعيًا المواطنين إلى اختيار الأكفأ بعيدًا عن أي اعتبارات دينية، لأن المعيار الحقيقي هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الناس.
أما ملف المواطنة، فيراه مسارًا إيجابيًا قطعت فيه الدولة خطوات مهمة، مع بقاء الحاجة إلى استكمال الطريق، مؤكدًا أن التجربة المصرية في التعايش الإسلامي المسيحي تتجاوز مفهوم «الحوار» إلى الشراكة اليومية في الحياة، وهو ما يمنح مصر خصوصيتها وقدرتها على تقديم نموذج ملهم للمنطقة.

البابا تواضروس عن االدين، الوعي، والتحديات المعاصرة
في حديثه عن الخطاب الديني، يرى البابا أن التجديد ضرورة دائمة في الأسلوب لا في الجوهر، حتى تصل الرسالة إلى كل جيل بلغة تناسب عصره، مع الحفاظ على ثوابت الإيمان. كما يرفض بشكل قاطع استخدام الدين لتبرير الحروب أو الصراعات، معتبرًا أن ربط الدين بالعنف إساءة لجوهره ورسالة الأنبياء.
وعن الشائعات وحروب الوعي، يؤكد أن الوعي والثقة هما خط الدفاع الأول، وأن الكنيسة تفضل مواجهة الأكاذيب بنشر الحقائق لا بالصدام. كما يشدد على أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم انتشارها، لا تستطيع أن تحل محل العلاقات الإنسانية الحية التي تنقل المحبة الحقيقية.

ويختتم البابا رؤيته بالتأكيد على أن ما يتمنى أن يذكره به التاريخ هو الحفاظ على سلام مصر والكنيسة، موجهًا رسالة للمصريين بضرورة الأمانة والاجتهاد وعدم فقدان الأمل، لأن مصر، كما يقول، عظيمة بتاريخها وحاضرها ومستقبلها، وتستحق العمل من أجلها.








