الولايات المتحدة , لا تزال السياسة الخارجية للولايات المتحدة تُثير جدلًا واسعًا على الساحة الدولية، بسبب اعتمادها المتكرر على القوة العسكرية المباشرة للتدخل في شؤون دول أخرى، وصولًا إلى إسقاط أنظمة حاكمة أو اعتقال قادتها. هذا النهج، الذي يراه البعض امتدادًا لفكرة «شرطي العالم»، أعاد إلى الأذهان مشاهد مأساوية شهدها العالم خلال العقود الماضية، كان أبرزها ما جرى في العراق، ويبدو أنه يتكرر بصورة جديدة في فنزويلا.

العراق… بداية السيناريو الصادم لـ الولايات المتحدة
في مارس 2003، شنت الولايات المتحدة حربًا واسعة النطاق على العراق، بدعوى امتلاك نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أسلحة دمار شامل، ووجود علاقات مزعومة بينه وبين تنظيم القاعدة. بدأت العمليات بقصف جوي مكثف استهدف العاصمة بغداد ومناطق أخرى، وأسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا من المدنيين والعسكريين، وذلك قبل انتهاء المهلة التي منحتها واشنطن لصدام حسين لمغادرة البلاد.
ورغم شدة القصف، استمر النظام العراقي في الصمود قرابة 19 يومًا، إلى أن دخلت القوات البرية الأمريكية بغداد في التاسع من أبريل 2003. وشهد العالم آنذاك مشهد إسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس، في صورة رمزية اعتُبرت إعلانًا رسميًا لسقوط النظام وبداية مرحلة جديدة من الاحتلال والفوضى.

من الاعتقال إلى الإعدام
بعد سقوط بغداد، دخل العراق مرحلة اضطراب أمني وسياسي عميق، في وقت واصلت فيه القوات الأمريكية البحث عن صدام حسين. وبعد أشهر من المطاردة، تم اعتقاله في ديسمبر 2003 في مدينة تكريت، حيث كان مختبئًا داخل حفرة، في مشهد صدم أنصاره وخصومه على حد سواء.
وخضع صدام حسين لمحاكمات استمرت لعدة سنوات، أبرزها محاكمته في قضية أحداث الدجيل. وفي أواخر عام 2006، صدر حكم بإعدامه، ونُفذ فجر يوم 30 ديسمبر، في توقيت تزامن مع عيد الأضحى المبارك، ما أثار حينها موجة واسعة من الجدل والاستنكار في العالم العربي والدولي، وترك أثرًا عميقًا في الذاكرة السياسية للمنطقة.

فنزويلا… نسخة جديدة من مشهد الولايات المتحدة
بعد أكثر من عقدين على تلك الأحداث، عاد المشهد ليتكرر بصورة مختلفة في فنزويلا. ففي فجر يوم 3 يناير 2026، شنت القوات الجوية الأمريكية ضربات مركزة على العاصمة كاراكاس، أعقبها تنفيذ عملية إنزال لقوات خاصة من وحدة «دلتا فورس». وأسفرت العملية عن اشتباكات مع الحرس الرئاسي، انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ووفق ما أُعلن لاحقًا، لم تستغرق العملية سوى نحو ثلاث ساعات، في تحرك عسكري خاطف اتسم بالسرعة والحسم. وأقر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقًا بأن العملية كانت محفوفة بالمخاطر، وأن احتمال تصفية مادورو كان قائمًا أثناء تنفيذها. وتم ترحيل مادورو وزوجته على متن مدمرة أمريكية، تمهيدًا لنقلهما إلى نيويورك، حيث يُتوقع أن يواجها محاكمة خلال أيام.
تعكس هذه الأحداث، قديمها وحديثها، نمطًا متكررًا في السياسة الأمريكية، يطرح تساؤلات كبرى حول حدود التدخل العسكري، واحترام سيادة الدول، والتكلفة الإنسانية والسياسية لمثل هذه القرارات، في عالم لا يزال يبحث عن توازن حقيقي بين القوة والعدالة.








