الغطاس , تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بداية من يوم الجمعه ببرمون عيد الظهور الإلهي، أحد أهم الأعياد السيدية الكبرى في المسيحية، والذي يحمل معاني روحية ولاهوتية عميقة ارتبطت بحدث عماد السيد المسيح في نهر الأردن. ويُعرف هذا العيد بعدة أسماء تعكس غنى مضمونه وتنوع أبعاده، من بينها: عيد الغطاس، الإبيفانيا، الثيئوفانيا، عيد الأنوار، عيد العماد، ظهور المسيح على المياه، تكريس الماء، التنوير، والدنح، وغيرها من المسميات التي استخدمها الآباء عبر العصور.
وقد تغنى آباء الكنيسة بهذا العيد وتأملوا رموزه ومعانيه، مؤكدين أنه عيد إعلان الله للإنسان وبدء ظهور المسيح للعالم علنًا.

أولًا: عيد الغطاس… سر المعمودية والتجديد
سُمي بهذا الاسم لأن السيد المسيح، الذي شابه البشر في كل شيء ما خلا الخطية، اعتمد من يوحنا المعمدان بالتغطيس في نهر الأردن، قائلًا: «ينبغي لنا أن نكمل كل بر». ويؤكد الكتاب المقدس أن المسيح نزل إلى الماء ثم صعد منه، في إشارة واضحة إلى التغطيس الكامل.
وترى الكنيسة في هذا الحدث أساس سر المعمودية، حيث يدفن الإنسان العتيق مع المسيح ليقوم إنسانًا جديدًا. ويشرح الآباء هذا المعنى الروحي بعمق، إذ يؤكد القديس أغسطينوس أن النزول في المعمودية هو طريق الارتفاع الروحي، بينما يرى القديس بولس الرسول أن المعمودية هي “لبس المسيح”، أي التمتع بحياة جديدة مملوءة نورًا وقداسة.

ثانيًا: الإبيفانيا والثيئوفانيا… إعلان الثالوث القدوس
كلمة «إبيفانيا» يونانية تعني الظهور، بينما تشير «ثيئوفانيا» إلى الظهور الإلهي. وفي عيد الغطاس ظهر الثالوث القدوس بوضوح: الابن في نهر الأردن، والروح القدس نازلًا في هيئة حمامة، والآب شاهدًا من السماء قائلًا: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت».
ولهذا يُعد العيد إعلانًا إلهيًا فريدًا، لا يقتصر على عماد المسيح فقط، بل يمتد ليشمل عدة ظهورات إلهية أخرى، مثل الميلاد، وظهور النجم للمجوس، ومعجزة عرس قانا الجليل، وكلها تعلن لاهوت المسيح للعالم.

ثالثًا: عيد الأنوار والدنح… إشراق النور الإلهي
أطلق الآباء القدامى على عيد الغطاس اسم «عيد الأنوار»، لأن المسيح هو النور الحقيقي الذي أشرق على العالم عند عماده. ويؤكد القديس غريغوريوس النزينزي أن هذا اليوم هو يوم النور، بينما يشير القديس غريغوريوس النيصي إلى أن عماد المسيح هو بداية إشراق النعمة الإلهية للبشرية.
ولا تزال الكنيسة تعبّر عن هذا المعنى باستخدام الشموع الكثيرة في طقس العيد، رمزًا للنور الإلهي، وهي عادة انتقلت إلى الكنائس الغربية حيث سُمي العيد بـ«عيد الشموع».
أما «عيد الدنح»، وهو الاسم الشائع في الكنيسة السريانية، فيعني الظهور أو الإعلان، ويشير إلى أن المسيح، الذي وُلد في اتضاع، ظهر للعالم علنًا في معموديته، كما أكد ذلك القديس يوحنا ذهبي الفم بقوله إن الشعب لم يعرف المسيح قبل المعمودية، أما بعدها فقد أُعلن للجميع.
ويظل عيد الظهور الإلهي مناسبة روحية عميقة، تحتفل فيها الكنيسة بإشراق النور الإلهي وبداية رسالة الخلاص للعالم.








