الرقم القومي , تعد بطاقة الرقم القومي في مصر الوثيقة الأكثر تداولاً في حياة المواطن اليومية، فهي الحاضر الدائم في كل تفصيلة مدنية، بدءاً من استمارات التعيين واستئجار السكن، وصولاً إلى إجراءات العلاج والتعليم. ومع ذلك، يثير إدراج “خانة الديانة” في هذه البطاقة جدلاً قانونياً وحقوقياً واسعاً، حيث يراها البعض نقطة تماس خطرة قد تحول الإيمان الشخصي إلى ملف إداري يخضع لأهواء الموظفين، مما يفتح الباب أمام تمييز غير معلن وإقصاء بعيد عن نصوص القانون الرسمية.

تحرك قضائي لحذف الديانة من بطاقة الرقم القومي
في خطوة لافتة، تقدم المحامون أحمد محمود قناوي، وعماد فيلكس مبارك، وإميل وجيه عازر بدعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، موجهة ضد رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الداخلية بصفاتهم. لا تستهدف هذه الدعوى مجرد تغيير شكل بطاقة الرقم القومي ، بل تسعى لمناقشة فلسفة الدولة في التعامل مع المواطن؛ فهل يُعامل كفرد كامل الحقوق والواجبات، أم كتابع لهوية دينية تسبق هويته الوطنية وتحدد مصيره الإداري؟
تستند الدعوى إلى الطعن في اللائحة التنفيذية للقانون رقم 143 لسنة 1994، وتحديداً المادة 33 من قرار وزير الداخلية رقم 1121 لسنة 1995، التي تفرض إظهار الديانة كبيان أساسي. ويشير المدعون إلى أن هذا الإجراء لم يكن معمولاً به قبل ثورة 1952، حيث كانت البطاقات تخلو من هذا البيان، مما يجعله استحداثاً إدارياً لا يتماشى مع تاريخ الدولة المدنية.

التناقض الدستوري والفجوة بين الوثائق الرسمية
يرتكز الطعن القانوني على أن دستور 2014 أرسى وضعاً جديداً تماماً بجعله “المواطنة” الركيزة الأولى للدولة (المادة 1)، وهو ما لم يكن منصوصاً عليه بهذا الوضوح في دستور 1971. فالدستور الحالي يربط بين السيادة والمواطنة والمساواة المطلقة أمام القانون دون تمييز (المادة 53). ويرى القانونيون أن إجبار المواطن على كشف دينه أمام موظف قد لا يستوعب قيم التسامح يمثل إخلالاً بمبدأ الخصوصية وجوهر المواطنة التي تعني الانتماء لكيان سياسي مشترك يتجاوز العرق والدين.
ومن المفارقات التي طرحتها الدعوى، المقارنة بين بطاقة الرقم القومي وجواز السفر. فوزير الداخلية نفسه أصدر لائحة جوازات السفر التي لا تتضمن خانة الديانة، رغم أن جواز السفر وثيقة رسمية يعتد بها في كافة المعاملات بما فيها الزواج. هذا التناقض يشير إلى أن الجهة الإدارية قد تتحرج من وضع بيان الديانة أمام المجتمع الدولي، بينما تصر عليه في التعاملات الداخلية.

الحذف لا يخل بالقانون: الحلول التقنية والقانونية
يؤكد المدعون أن حذف خانة الديانة من الواجهة المرئية للبطاقة لا يترتب عليه أي خلل في قواعد القانون المدني أو الأحوال الشخصية. فالبطاقة تحتوي بالفعل على “باركوود” يضم بيانات غير معلنة مثل اسم الأم والأبناء، ويمكن أن يظل بيان الديانة مخزناً إلكترونياً للجهات التي تحتاجه قانوناً (كالمحاكم في قضايا الميراث أو الزواج).
إن المطلب الأساسي للدعوى يتمثل في وقف تنفيذ قرار إظهار الديانة وإحالة المادة المنظمة للمحكمة الدستورية العليا. الهدف هو ترسيخ مفهوم أن الدين “لله” والوطن لجميع المواطنين على قدم المساواة، بما يضمن عدم تعرض أي فرد لأحكام مسبقة تعيق حصوله على حقوقه الطبيعية لمجرد انتماء ديني مدون في وثيقة تعريفية.







