يونان , يحتل “صوم نينوى” مكانة استثنائية في طقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فهو يمثل “المدخل الروحي” والمقدمة التمهيدية للصوم الكبير. وبالرغم من قصر مدته التي لا تتجاوز ثلاثة أيام، إلا أنه يحمل دلالات عميقة حول قوة التوبة وقدرة الصلاة على تغيير الأحكام الإلهية، مستلهماً قصة النبي يونان وأهل نينوى الذين صاموا بقلوب منكسرة فاستجاب الله لتضرعاتهم.

الخارطة الزمنية لصوم يونان عام 2026 ومواعيد القداسات
وفقاً للتقويم الكنسي والخريطة الزمنية لعام 2026، تستعد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لبدء هذا الصوم المقدس في الأسبوع الأول من شهر فبراير. ومن المقرر أن تبدأ فعاليات الصوم يوم الإثنين الموافق 2 فبراير، وتستمر حتى الأربعاء 4 فبراير 2026. وتختتم الكنيسة هذه الفترة الروحية بـ “الفصح ” (قداس العيد) الذي يوافق يوم الخميس 5 فبراير.
ونظراً للإقبال الجماهيري والارتباط الوجداني للأقباط بهذا الصوم، تحرص الإيبارشيات والقطاعات الرعوية في كافة المحافظات على تكثيف النشاط الطقسي، من خلال إقامة أكثر من قداس إلهي يومياً (صباحية ومتأخرة)، لتسهيل مشاركة الموظفين والطلاب، بما يضمن استيعاب كافة المؤمنين الراغبين في نوال بركة هذه الأيام المقدسة التي تسبق الصوم الكبير بأسبوعين.

جذور الصوم: كيف انتقل “صوم نينوى” من السريان إلى الأقباط؟
يرتبط دخول الصوم إلى الكنيسة القبطية بقصة تاريخية تعود إلى القرن العاشر الميلادي، وتحديداً في عهد البابا إبرام ابن زرعة السرياني، البطريرك الـ62. وتشير المراجع التاريخية، ومنها ما ذكره الباحثون الكنسيون مثل “الأغنسطس حسام كمال”، إلى أن البابا إبرام كان سرياني الأصل، وعندما تولى الكرسي المرقسي، أراد تقوية روابط المحبة بين الكنيستين القبطية والسريانية.
قبل ذلك الوقت، كان الأقباط يمارسون ما يُعرف بـ “أسبوع هرقل” في بداية الصوم الكبير، ولكن البابا إبرام قدّم صوم نينوى (الذي يمارسه السريان لأن نينوى تتبع الكرسي الأنطاكي) كبديل روحي عميق. وبسبب تقواه المشهود لها ومكانته الكبيرة، تقبل الأقباط هذا التغيير بغير تردد، ليصبح منذ ذلك الحين جزءاً أصيلاً من ليتورجيا الكنيسة القبطية، وشاهداً على “ائتلاف المحبة” والوحدة بين الكنائس الأرثوذكسية الشقيقة.

فلسفة صوم يونان في الفكر الكنسي والتراث الأدبي
لا يُنظر إلى الصوم كمجرد امتناع عن الطعام، بل هو “دعوة عامة للتوبة”. وتؤكد المصادر التاريخية، مثل كتاب “مقدمة قطمارس الصوم الكبير” الذي اهتم به المتنيح الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف، أن المحافظة على هذا الصوم لقرون طويلة تعكس وعي الكنيسة بأهمية “التوبة الجماعية”.
ويذكر العلامة “ابن المكين” والقمص يوحنا سلامة في كتاب “اللآلئ النفيسة”، أن هذا الصوم وُضع ليكون رمزاً للغفران الذي ناله أهل نينوى، وهو الغفران الذي تسعى الكنيسة لزرعه في قلوب أبنائها قبل الدخول في رحلة الصوم الكبير الأربعيني. إن استمرارية صوم يونان من عهد البابا إبرام وحتى يومنا هذا، تؤكد نجاح الكنيسة في ربط التاريخ بالعقيدة، وجعل قصة يونان النبي حاضرة دائماً كمنارة ترشد التائهين نحو الرجوع إلى حضن الله.








