الإنجيل , في حكم قضائي هزّ أركان الإدارة الفيدرالية، أصدر قاضٍ أمريكي قراراً تاريخياً مستعينا بالإنجيل يقضي بالإفراج الفوري عن صبي في الخامسة من عمره ووالده، اللذين تعرضا لعملية احتجاز مثيرة للجدل من أمام منزلهما في ولاية مينيسوتا. ولم تكن قيمة هذا الحكم في منطوقه القانوني فحسب، بل في اللغة القاسية وغير المسبوقة التي استخدمها القاضي لوصف النهج الحكومي المتبع تجاه المهاجرين، واضعاً الضمير الإنساني في مواجهة مباشرة مع “البيروقراطية الأمنية”.

احتجاز من “عتبة المنزل”: تفاصيل الواقعة المأساوية
بدأت المأساة عندما داهم عملاء إدارة الهجرة والجمارك الفيدرالية (ICE) ضواحي “مينيابوليس”، حيث قاموا باقتطاف الطفل الصغير ووالده من أمام مدخل منزلهما، في مشهد وصفه الجيران والمدافعون عن حقوق الإنسان بالمرعب. لم تكتفِ السلطات بالاحتجاز، بل قامت بنقلهما بشكل مفاجئ إلى مركز احتجاز بعيد في ولاية تكساس، على بعد آلاف الأميال من موطنهما وبيئتهما الاجتماعية.
هذا التحرك السريع والمفاجئ عكس تحولاً في آليات إنفاذ القانون، حيث باتت المداهمات تستهدف عمق الأحياء السكنية بدلاً من المراكز الحدودية. وقد اعتبر فريق الدفاع عن العائلة أن احتجاز طفل في هذا السن دون مراعاة لاحتياجاته النفسية يمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية التي كفلها الدستور الأمريكي، وهو ما استجاب له القاضي فريد بايري بقرار حاسم ينهي هذا الاحتجاز.

تفنيد “سياسة الحصص”: انتقادات لاذعة لإدارة ترامب
خلال جلسة الحكم التي عُقدت يوم السبت، لم يتردد قاضي المقاطعة فريد بايري في توجيه نقد لاذع وشديد اللهجة لحملة الترحيل الجماعي التي يقودها الرئيس دونالد ترامب. ووصف بايري التحركات الحكومية بأنها “سعي غير كفء وسيئ التخطيط”، متهماً الوكالات الفيدرالية بأنها انساقت وراء رغبة محمومة لتحقيق “حصص ترحيل يومية” كأرقام إحصائية، متجاهلةً التبعات الإنسانية والاجتماعية لهذه القرارات.
واستخدم القاضي تعبيراً صادماً حين وصف هذه الحملات بأنها “صدمة متعمدة للأطفال”، مؤكداً أن الدولة التي تستخدم قوتها لترويع الصغار تحت ذريعة تطبيق القانون تفقد شرعيتها الأخلاقية. وأشار في تقييمه إلى أن الفوضى وعدم الكفاءة التي شابت عملية الاحتجاز والنقل تعكس تخبطاً إدارياً يسعى فقط لإرضاء الأجندات السياسية على حساب العدالة والمنطق.

سلطة القيم: استحضار الإنجيل وجيفرسون
في سابقة قضائية لافتة، استند القاضي بايري في حيثيات حكمه إلى ما هو أبعد من النصوص القانونية الجافة؛ حيث استشهد بآيات من الإنجيل لتذكير الحضور بالالتزام الأخلاقي تجاه الغرباء والضعفاء. كما استدعى أقوالاً مأثورة لـ توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين وأبرز كُتّاب إعلان الاستقلال، للتأكيد على أن الحرية والكرامة الإنسانية هي حقوق أصيلة لا تمنحها الحكومات ولا يمكنها انتزاعها بجرة قلم.
هذا المزيج بين المبادئ الدينية والقيم الوطنية الأمريكية كان بمثابة رسالة توبيخ للسلطات التنفيذية، مفادها أن أمريكا التي يتحدث عنها جيفرسون لا يمكن أن تكون مكاناً يُسجن فيه الأطفال وتُهدم فيه الأسر من أجل أرقام ترحيل يومية. وبناءً عليه، جاء أمره بالإفراج الفوري كإعادة اعتبار لمنصة القضاء كحارس للحريات وحائط صد ضد أي تغول سلطوي يفتقر للرحمة والعدل.








