بقلم نيافة الأنبا إرميا
يونان , مع دقات أجراس الكنائس احتفالاً بـ “الفصح “، نستحضر قصة ليست مجرد رواية من التاريخ، بل هي “مانيفستو” إلهي عن التوبة والرجاء. إن كلمة “فصح” التي تعني العبور، تتجسد هنا في أروع صورها؛ فهي ليست مجرد خروجه من جوف الحوت، بل هي عبور الإنسانية من العناد إلى الطاعة، ومن ظلام الخطية إلى نور المصالحة مع الله.

ثلاثة أيام من النسك: قصة صوم نينوى
يعود الفضل في إدخال هذا الصوم إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية للبابا أبرام بن زرعة (البطريرك الـ62) في القرن العاشر الميلادي، ليكون تمهيداً روحياً للصوم الكبير. على مدار ثلاثة أيام، يعيش المؤمنون تجربة أهل نينوى الذين انحنوا بتواضع أمام إنذار الله، فاختبروا كيف أن “مراحم الله جديدة في كل صباح” وأن قلبه يتسع حتى لمن يظنون أنفسهم بعيدين عنه.

فلسفة الهروب واللقاء: رحمة تشمل الجميع
قصة يونان هي صراع بين “محدودية الإنسان” و”سعة قلب الله”. هروبه من المهمة، فلاحقته الأمواج، لا رغبة في عقابه بل في إنقاذه من ذاته. وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم، فإن العواصف كانت وسيلة للرجوع. ولم تقتصر هذه الرحمة عليه وحده، بل امتدت لتشمل:
البحارة الوثنيين: الذين عرفوا الإيمان من خلال التجربة والضيق.
أهل نينوى: الذين أثبتوا أن الله لا يشاء موت الخاطئ بل أن يرجع ويحيا.

العبور المستمر: قصة يونان رسالة أمل لكل زمان
إن “فصح يونان” هو تذكير بأن الله “رؤوف وبطيء الغضب”. هو إله الفرصة الثانية والثالثة. فالحوت الذي ابتلعه لم يكن سجناً، بل كان “سفينة نجاة” أعادته إلى شاطئ الإرسالية. اليوم، نحن مدعوون جميعاً ألا نهرب “من” الله، بل أن نهرب “إليه”، واثقين أن رحمته التي شملت نينوى العظيمة، قادرة أن تشمل كل نفس تبحث عن السلام في “مصر الحلوة” وفي كل بقاع الأرض.








