شقيقتين , لم يكن صباح المنيا كعادته؛ فالهواء الذي كان يحمل ترانيم الصلاة والضحكات البريئة، استحال فجأة إلى غبار وصمت موحش. في لحظة زمنية لم تتجاوز الثواني، انهار سور دير القديس “أبو فانا” الأثري بملوي، ليواري تحت أحجاره أحلاماً صغيرة لم تكتمل، ويحول رحلة التبرك إلى مأساة إنسانية ستبقى محفورة في ذاكرة “دير مواس” لسنوات طويلة.

بيتٌ واحدٌ يتقاسمه الموت والرجاء بـ شقيقتين : “نادية” غابت و”مريم” تصارع الألم
داخل منزل “أشرف يونان”، تجسدت أقسى صور الوجع الإنساني؛ حيث انقسم القلب إلى نصفين مع شقيقتين . النصف الأول غادر مع الطفلة “نادية” (11 عاماً) التي زُفت إلى السماء في جنازة مهيبة، والنصف الثاني ظل عالقاً بين ردهات المستشفى، يمسك بيد شقيقتها “مريم” (8 سنوات) التي تنجو بأعجوبة وتصارع الإصابة. إنه مشهد يختصر مرارة القدر، حين تضطر أسرة واحدة لتجهيز “كفن” وصلاة “شفاء” في آن واحد.

أربعة زهور تحت الأنقاض: ضريبة “الإهمال” يدفعها الصغار
لم تكن الفاجعة فردية، بل امتدت لتخطف زهوراً أخرى من ذات الشجرة؛ حيث لقي ابنا العمومة “بدر شنودة” (7 سنوات) و”تواضروس بدر” (10 سنوات) مصرعهما في الواقعة ذاتها. أربعة أطفال غادروا دنيانا دفعة واحدة، وكأن السور الأثري قد اختار براءتهم لتكون صرخة في وجه التصدعات والنسيان. أمام المستشفى، لم يكن النحيب هو السيد، بل “الصمت الثقيل” الذي خيّم على الآباء والأمهات، صمت يعكس عجزاً بشرياً أمام هول الفقد.

بين الطوق الأمني وتحقيقات النيابة: البحث عن إجابة للسؤال الأصعب
في موقع الحادث، لم يتبقَ سوى الأحجار المتناثرة وطوق أمني يحيط بالوجع. القيادات الأمنية وفرق الإسعاف انتقلت فوراً، بينما باشرت نيابة ملوي تحقيقات موسعة، وشكلت لجانًا فنية متخصصة لمعاينة سلامة منشآت الدير التاريخي. الجميع يبحث عن “لماذا”، وكيف لسور يحمل عبق التاريخ أن يسلب حياة المستقبل؟ وبينما تبحث الأوراق عن مقصر، يبقى جرح دير “أبو فانا” مفتوحاً في قلوب أهالي المنيا، شاهداً على براءة لم تكتمل.








