اليوم تحتفل الكنيسة بذكرى نياحة القديس العظيم الأنبا ساويرس، بطريرك أنطاكية، الذي يُلقب بـ “تاج السريان”. جاء هذا الاحتفال في يوم 14 من أمشير، الموافق 21 فبراير لعام 2026، وهو ذكرى رحيله عام 538 ميلاديًا. اشتهر القديس الأنبا ساويرس باهتمامه العميق باستقامة الإيمان الأرثوذكسي وتعاونه الوثيق مع كنيسة الإسكندرية. عُرف بقوة حجته وثباته العميق في الدفاع عن الإيمان.

نبذه عن القديس العظيم الأنبا ساويرس
كانت العلاقة بين البطريرك الأنطاكي ساويرس و البطريرك السكندري البابا تيموثاوس الثالث، البابا الثاني والثلاثين في القرن السادس، قوية ومتينة، حيث اشتركا معًا في الذود عن الإيمان المستقيم. كانا يتمسكان بعبارة القديس كيرلس السكندري المتعلقة بالطبيعة الواحدة لله الكلمة المتجسد، مميزين بينها وبين مفهوم الطبيعة الواحدة التي دعا بها أوطيخا، المنكر لطبيعة المسيح البشرية. رفض القديسان مجمع خلقيدونية المنعقد عام 451م، وأصبحت هناك عادة متبعة بين الكنيستين بكتابة الرسائل المتبادلة بين رأس الكنيستين للتأكيد على وحدة العقيدة. كما كان يتم ذكر اسم كل بطريرك في الأوشيات بعد اسم بطريرك الكنيسة الأخرى.

وضع اسم الأنبا ساويرس في المجمع المقدس
تكرم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية القديس الأنبا ساويرس بوضع اسمه في المجمع المقدس بعد مار مرقس الرسول، بجانب عظماء المدافعين عن الإيمان الأرثوذكسي مثل القديس أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير وديديموس.
وُلد هذا القديس العظيم في مدينة سوزوبوليس بمنطقة بيسيدية، آسيا الصغرى، حوالي عام 459 م. كان له تجربة روحية مبكرة مع الله حينما أُختطف عقله لفترة وجيزة وسمع صوتًا يُنبئ بمصيره الروحي، قائلًا إن ساويرس سيصبح رمزًا لاستقرار الإيمان المسيحي ويواجه الكثير من التحديات من أجل الدفاع عن العقيدة الأرثوذكسية.
أثناء شبابه، أرسلته والدته رفقة أخويه الأكبر منه إلى الإسكندرية لإكمال دراستهم حيث برز بتفوقه وذكائه. ثم انتقل إلى بيروت لدراسة العلوم القانونية، وهناك كان محط إعجاب زملائه لتفوقه واجتهاده في تحصيل العلم. وخلال فترة دراسته في بيروت التقى بصديق روحي، زكريا، الذي اصطحبه إلى كنيسة القيامة ثم إلى كنيسة العذراء بالقرب من الميناء. دار بينهما حديث روحاني تعلّم منه ساويرس الكثير حول محبة الله والخلاص وتعاليم الآباء القديسين.
بعد هذا اللقاء المؤثر، استمر القديس ساويرس في دراسة كتابات كبار الآباء مثل القديس باسيليوس الكبير وغريغوريوس الناطق بالإلهيات. وواصل اهتمامه العميق بفهم العقيدة المسيحية ودراسة أهمية طقس المعمودية وضرورة المداومة عليه وعدم تأجيله.
وفي أواخر أيام حياته، رحل القديس إلى مدينة سخا حيث استضافه الحاكم التقي دوروثاؤس. أصابه المرض في نهايته، وخلال مرضه شاهد رؤيا لرجال ذوي مظهر بديع. كانوا هؤلاء القديسين الذين سبقوه وتعاليمهم بقيت محفورة في قلبه تتردد في ذاكرته. وبينما كان مستلقيًا على فراشه، نصحه بعض الحاضرين بأن يأخذ حمامًا. وبعد أن أضجع على الأرض، بدا وكأن الحياة قد غادرت جسده بعد أن ضعف تمامًا ولم يستطع الجلوس. وعندما رفعوه من على الحجر الذي كان مضجعًا عليه، فوجئوا ببقاء علامة بديعة لا تُمحى على الحجر، والتي أصبحت مصدر شفاء لكثير ممن لمسوه.
أدرك من كانوا حوله أن لحظة انتقاله قد حانت، ورجوه ألا يرحل عنهم، ولكن أجابهم قائلاً: عملي قد انتهى منذ زمن وأنا أستعد لهذا الرحيل منذ أمدٍ بعيد. فكرتُ كثيرًا في هذا اليوم، وستلحقون بي قريبًا لنلتقي جميعًا ونفرح بالمسيح للأبد. وما إن أنهى كلامه حتى أسلم روحه، واستقبله البطاركة والأنبياء والمعلمون الحكماء ومعلمو الكنيسة في فرحٍ وابتهاج. كان ذلك في الرابع عشر من أمشير عام 538م.

لحظة نياحة الأنبا ساويرس
بعد نياحة ، انبعثت من جسده رائحة عطرية زكية ظل العديد يشهد بها، وهي الرائحة التي كانت تفوح منه حتى خلال حياته، ما جعل البعض يعتقد أنه كان يتعطر بالبرفير. أوصى دوروثاؤس بأن يُنقل جسد القديس بواسطة مركب إلى دير الزجاج غرب الإسكندرية عن طريق البحيرة دون دخول الخليج. وأثناء الرحلة، عندما وصلوا إلى منطقة قريبة جنوب قرطسا، واجهوا نقصًا في المياه الكافية لتحريك المركب، مما أصابهم بالارتباك والقلق. ولكن الله لم يترك جسد القديس عرضة للمخاطر، وأظهر معجزته بجعل المركب تسير فوق مياه ليست بالكافية، لقطع مسافة ستة أميال حتى وصلوا إلى الساحل.
من هناك نقلوا الجسد إلى دير الزجاج ووضعوه في المكان الذي هيأه له الأرخن دوروثاؤس. وقد عمت الفرحة مدينة الإسكندرية بأكملها، حيث تجلت عجائب الله من خلال جسد القديس الذي ظل يظهر من خلاله المزيد من المعجزات والآيات، مما زاد من تمجيده بعد وفاته بشكل عظيم أكثر مما لوحظ خلال حياته.








