كيرلس , تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في التاسع من مارس 2026، الذكرى الخامسة والخمسين لرحيل البابا كيرلس السادس، البطريرك الـ116 في تاريخ بابوات الإسكندرية. لم يكن مجرد رئيس للكنيسة، بل كان ظاهرة روحية واجتماعية تركت بصمة لا تُمحى في وجدان المصريين، مسيحيين ومسلمين، بزهده وصلاته الدائمة التي جعلت منه ملاذاً لكل محتاج.

من “طاحونة” الزهد إلى سدة البطريركية: رحلة الراهب مينا المتوحد
وُلد البابا كيرلس (عازر صبحي) في أغسطس 1902 بمدينة دمنهور، وبدأت ملامح دعوته تتبلور في سن الخامسة والعشرين حين قرر ترك العالم والانخراط في سلك الرهبنة. وفي عام 1928، ترهبن باسم “مينا البراموسي” في وادي النطرون، لتبدأ رحلة من التوحد والنسك وصلت ذروتها بسكنه في “طاحونة مهجورة” بمصر القديمة عام 1936.
هذا الزهد الاستثنائي لم يمنعه من القيادة الإدارية؛ فقد أثبت براعة كبيرة حين تولى رئاسة دير الأنبا صموئيل المعترف بمغاغة عام 1941، حيث قام بتعميره وتجديد كنيسته وبناء قلالي الرهبان، مما مهد الطريق لاختياره لاحقاً ليجلس على الكرسي المرقسي عام 1959.

عصر النهضة والسياسة الدولية: مؤتمر أديس أبابا وتجديد الكاتدرائية
شهد عهد البابا كيرلس السادس تحولات كنسية وتاريخية كبرى؛ فعلى الصعيد الدولي، ترأس في عام 1965 مؤتمر الكنائس الأرثوذكسية المشرقية في إثيوبيا، وهو أول مجمع مسكوني من نوعه في العصر الحديث، ناقش قضايا الكرازة في العالم المعاصر.
أما داخلياً، فقد اهتم بترميم الكاتدرائية المرقسية بالأزبكية بعد قرن من بنائها، وشهد عام 1967 حدثاً طقسياً تاريخياً وهو “عمل الميرون المقدس”، وهي المرة الـ26 فقط في تاريخ الكنيسة الطويل. كما عُرف بعلاقته القوية والوطنية مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والتي أثمرت تعاوناً كبيراً في بناء الكاتدرائية الجديدة بالعباسية.

أحداث هزت العالم في عهد البابا كيرلس السادس: عودة جسد مارمرقس وظهور العذراء بالزيتون
سجل التاريخ عام 1968 كأحد أبرز الأعوام في عهد البابا ؛ ففي شهر أبريل، أعلنت الكنيسة عن تجلي السيدة العذراء فوق قباب كنيستها بالزيتون، وهو الحدث الذي جذب أنظار العالم بأسره نحو مصر.
وبعد شهرين فقط، وبالتحديد في 25 يونيو 1968، حقق البابا كيرلس حلم الكنيسة القبطية باستعادة رفات القديس مارمرقس الرسول من مدينة فينيسيا الإيطالية بعد غياب دام 11 قرناً. وفي موكب مهيب حضره الرئيس جمال عبد الناصر وإمبراطور إثيوبيا هيلاسلاسي، وُضع الجسد في مزاره الخاص بالكاتدرائية المرقسية الكبرى بالعباسية، لتظل هذه اللحظات محفورة في ذاكرة الأجيال كأعظم إنجازات هذا البابا القديس.








