الكنيسة , تتجه أنظار الأقباط الأرثوذكس اليوم نحو الروزنامة الكنسية (السنكسار)، لتقف عند محطة روحية هامة في يوم 28 من شهر أمشير القبطي؛ حيث تحتفي الكنيسة بذكرى نقل أعضاء أحد أبرز شهدائها الفوارس، القديس تادرس المشرقي. هذه الذكرى ليست مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل هي استحضار لسيرة بطل واجه النيران بقلب ثابت، لتتحول رفاته فيما بعد إلى منارة للبركة والتعزية في وجدان الكنيسة عبر الأجيال.

من “آسيا الصغرى” إلى أعماق التاريخ: قصة الاستشهاد حرقاً
تعود جذور القصة إلى مطلع القرن الرابع الميلادي، وتحديداً نحو عام 306م، في حقبة كانت من أقسى فترات الاضطهاد التي مرت على المسيحية في الإمبراطورية الرومانية. في مدينة “أماسيا” عاصمة إقليم البنطس بآسيا الصغرى، وقف القديس تادرس المشرقي شامخاً أمام آلات التعذيب والترهيب.
يُسجل التاريخ الكنسي أن القديس لم يتزعزع رغم الضغوط الهائلة لترك إيمانه، مما أدى في نهاية المطاف إلى صدور الحكم عليه بالاستشهاد “حرقاً”. لقد كان مشهد النيران التي التهمت جسده الطاهر بمثابة “محرقة حب” قدمها القديس شهادةً للمسيح، لينال بذلك إكليل الشهادة ويتحول اسمه إلى رمز للصمود والتضحية التي لا تعرف الخوف.

رحلة الرفات: من رماد الاضطهاد إلى بناء “منارات الصلاة”
لم تنتهِ قصة القديس تادرس بإخماد نيران استشهاده، بل بدأت فصول جديدة من الرعاية الإلهية. ومع بزوغ فجر الحرية الدينية بصدور مرسوم “ميلانو” على يد الإمبراطور قسطنطين الكبير، بدأت الكنيسة في جمع رفات شهدائها وتكريمهم. وشاءت العناية الإلهية أن يُنقل جسد القديس تادرس المشرقي إلى مدينة “نيصص”.
هناك، لم يكن نقل الرفات مجرد إجراء طقسي، بل كان تدشيناً لمرحلة جديدة من البركة؛ حيث شُيدت كنيسة فخمة على اسمه، وأصبحت مزاراً يتوافد إليه المؤمنون من كل بقاع الأرض. ويؤكد التقليد الكنسي المتوارث أن جسد الشهيد صار مصدراً لعجائب وآيات لا تُحصى، مما عزز من مكانته كشفيع قوي وحارس للإيمان في قلوب الشعب القبطي.

مع احتفال الكنيسة رسالة الشهيد تادرس في العصر الحديث: الثبات فوق المحن
تحتفل الكنيسة القبطية سنوياً بهذا التذكار لتقدم لشعبها “أيقونة” حية للثبات. إن سيرة القديس تادرس المشرقي، التي يرويها السنكسار في 28 أمشير، تحمل رسالة عميقة للأجيال الحالية؛ وهي أن الإيمان الحقيقي أقوى من النيران، وأن أجساد الشهداء هي “بذار الكنيسة” التي لا تفنى.
اليوم، وبينما ترفع الصلوات والتماجيد باسم هذا القديس العظيم، يستلهم المؤمنون منه القوة لمواجهة تحديات العصر، معبرين عن فخرهم بهذا التراث الروحي الضخم الذي يربط الأرض بالسماء. تظل سيرة القديس تادرس المشرقي، بطل “أماسيا”، محفورة في ذاكرة الكنيسة الأرثوذكسية، تذكرنا دائماً بأن من يغلب يرث كل شيء، وأن ذكراه تبقى بركة لكل الأجيال.








