شنودة . أحييت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية 17 مارس 2026، الذكرى الرابعة عشرة لرحيل مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث، البطريرك الـ117. لم يكن البابا شنودة مجرد قائد ديني جلس على الكرسي المرقسي لأكثر من 40 عاماً، بل كان ظاهرة وطنية استثنائية، وضابطاً احتياطياً في الجيش المصري، وشاعراً وفيلسوفاً آمن بأن “مصر وطن يعيش فينا”.

من “قرية سلام” إلى سدة الكرسي المرقسي.. سيرة ومسيرة “معلم الأجيال”
ولد “نظير جيد” في أغسطس 1923 بأسيوط، وشق طريقه بالعلم والخدمة من شبرا إلى جامعة القاهرة (فؤاد الأول) حيث حصل على ليسانس الآداب في التاريخ. جمع في شخصيته بين الانضباط العسكري كخريج لكلية الضباط الاحتياط، وبين العمق الروحي كخادم في مدارس الأحد.
تدرج في الكنيسة حتى صار بطريركاً في عهود سياسية متلاطمة، واجه فيها التحديات بصلابة؛ من دعم المجهود الحربي في أكتوبر 1973، إلى الوقوف في وجه قرارات الرئيس السادات عام 1981 وقضاء 40 شهراً في التحفظ بالدير، وصولاً إلى تأييد ثورة 25 يناير 2011 والإشادة بدور الجيش المصري العظيم.

قضية القدس.. الموقف التاريخي لقداسة البابا شنودة الثالث الذي لا يقبل “أنصاف الحلول”
سجل التاريخ للبابا شنودة الثالث موقفاً لا يلين تجاه القضية الفلسطينية، حيث سار على نهج سلفه البابا كيرلس السادس برفض زيارة القدس تحت الاحتلال. وفي عام 1980، أصدر قراره المجمعي الشهير بمنع الأقباط من السفر للقدس، معلناً كلمته الخالدة: “لن ندخل القدس إلا مع إخوتنا المسلمين”.
لم يكتفِ البابا بالمنع، بل فند الأكاذيب الصهيونية بكل قوة، مؤكداً أن “إسرائيل ليست شعب الله المختار”، وأن هذا المفهوم كان لغرض وانتهى، وأن وجودهم الحالي هو بوعد من “بلفور” لا بوعد من الله. هذا الموقف جعل الكاتدرائية بالعباسية مقصداً للزعيم الراحل ياسر عرفات، وشهدت ساحاتها أكبر مؤتمر شعبي لدعم الفلسطينيين أثناء حصار رام الله عام 2002.

دستور الحياة.. كلمات من نور في رحاب “مثلث الرحمات”
ترك البابا إرثاً من الحكم التي صارت دساتير للحياة اليومية للمصريين، عابرة للأديان والطوائف. من ينسى قوله: “ربنا موجود.. كله للخير.. مسيرها تنتهي”؟ هذه الكلمات لم تكن مجرد عبارات، بل كانت منهجاً لزرع الطمأنينة في النفوس.
كان يرى أن “الضيقة سميت ضيقة لأن القلب ضاق عن احتمالها”، ناصحاً بوضع الله بين الإنسان والضيق ليختفي الضيق ويبقى الله المحب. آمن بالصلاة الصامتة، معتبراً أن “دمعة العين صلاة، وخفق القلب صلاة”، وحث على العطاء التلقائي الذي يشبه التنفس، ليظل البابا شنودة حياً بكلماته ومواقفه التي لم تعرف يوماً الانفصال عن قضايا أمته العربية.








