بيشوي , في ذكرى رحيله، يبرز اسم القمص بيشوي كامل كأحد أنقى الصفحات في تاريخ الكنيسة المعاصر. هو الرجل الذي لم يكتفِ ببناء الكنائس من حجر، بل شيد صروحاً من الإيمان في قلوب الآلاف. لقد كان “أيقونة” للخدمة الباذلة التي امتدت عبر أزقة الإسكندرية لتصل بعبيرها إلى أرجاء الكرازة المرقسية، تاركاً خلفه جيلاً من الرعاة والخدام الذين شربوا من نبع تواضعه وعلمه.

شهادة “معلم الجيل”: القمص بيشوي في عيون البابا شنودة الثالث
لم تكن كلمات المتنيح البابا شنودة الثالث في رثاء القمص بيشوي مجرد عبارات تعزية، بل كانت “صك استحقاق” لرجل عاش السماء على الأرض. وصفه البابا في مجلة “الكرازة” بأنه “أب فاضل مملوء إيماناً وغيرة ومعرفة”. وأشار قداسة البابا بامتنان إلى أن القمص بيشوي كان بمثابة “الأب الروحي” والمربي لغالبية كهنة الإسكندرية الجدد على مدار ربع قرن، حيث كان ميزان الخدمة ومحرك النهضة الروحية في عروس المتوسط، محولاً منطقة “سبورتنج” إلى مركز إشعاع روحي عالمي.

منارة سبورتنج.. من كنيسة واحدة إلى نهضة عمرانية وروحية
من كنيسة مارجرجس بسبورتنج، انطلقت شرارة الخدمة التي لا تنطفئ. وبفضل رؤيته الرعوية، لم يتقوقع القمص داخل أسوار كنيسته، بل كانت خدمته كالشجرة المثمرة التي ألقت بظلالها على كافة أحياء الإسكندرية. فمن عباءته خرجت كنائس الأنبا تكلاهيمانوت بالإبراهيمية، والملاك بمصطفى باشا، والعذراء بكليوباترا، وغيرها الكثير. ولم يقتصر أثره على الحجر، بل كان “أباً لاعتراف” الكهنة ومنارة للمثقفين، حيث أثرى المكتبة القبطية بكتيبات ونبذات روحية عميقة لا تزال مرجعاً لكل باحث عن عمق الحياة مع المسيح.

فلسفة الألم.. حينما يتحدث الصبر في حضرة المرض
لعل الجانب الأكثر إلهاماً في حياة القمص هو “صليبه الشخصي”. فقد جسد أروع معاني الصبر المسيحي خلال رحلة مرضه الطويلة، وتحديداً أثناء خضوعه لعملية جراحية دقيقة في لندن. كان يتلقى الآلام بابتسامة سماوية وشكر لا ينقطع، فلم يشتكِ يوماً ولم يتذمر، بل كان يرى في المرض فرصة للاتحاد بآلام السيد المسيح. هذا الصبر الأسطوري هو ما جعل كلماته وتعاليمه تخرج بقوة الفعل لا بمجرد الوعظ، ليظل القمص بيشوي كامل “حياً” في وجدان الكنيسة، شفيعاً ومعلماً وقدوة للأجيال القادمة.








