الكنيسة , في مشهد يجسد التلاحم بين الواجب الوطني والقداسة الدينية، أعلنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عن حزمة من الإجراءات التنظيمية الجديدة التي تعكس وعياً عميقاً بالتحديات الراهنة. وبكلمات هادئة ولكن حاسمة، رسم القمص إبرام إميل، وكيل قداسة البابا تواضروس الثاني، ملامح المرحلة المقبلة داخل أروقة الكنائس، مؤكداً أن الكنيسة ليست مجرد دار للعبادة، بل هي شريك أساسي في حماية موارد الوطن.

خطة “الاستهلاك الذكي”: صلوات مضيئة وموارد مُصانة
لم تكن دعوات ترشيد الكهرباء مجرد شعارات داخل الكنيسة، بل تحولت إلى “دستور عمل” يومي. فقد بدأت الكنائس بالفعل في تطبيق سياسة صارمة لتقليل استهلاك الموارد، وعلى رأسها الطاقة الكهربائية. وتعتمد هذه الخطة على مبدأ “الإضاءة عند الحاجة فقط”، حيث يتم تشغيل الأنوار بكامل طاقتها أثناء الصلوات الطقسية فقط، مع الالتزام بالإطفاء الفوري عقب انتهاء الشعائر.
كما شملت الإجراءات الاعتماد على الإضاءة الجزئية في القاعات الكبيرة والملحقات الخدمية، لضمان عدم الهدر. ولم يقتصر الأمر على الجدران الكنسية، بل امتد ليكون رسالة توعوية لكل بيت قبطي، تدعو المصلين لتبني ثقافة الترشيد في حياتهم اليومية، تأكيداً على أن الحفاظ على موارد الدولة هو جزء من الأمانة التي يحملها كل مواطن تجاه وطنه.

أبواب الكنيسة مفتوحة.. وتسهيلات خاصة لـ “فرحة العمر”
وسط التساؤلات حول مواعيد الغلق، جاء توضيح وكيل البطريركية ليحمل الطمأنينة لقلوب الأقباط. فالكنيسة، بقدسيتها، لا تغلق أبوابها أمام المصلين؛ إذ تظل الشعائر الدينية والقداسات قائمة في مواعيدها المعتادة دون تغيير. أما قرار الغلق في تمام التاسعة مساءً، فهو قرار إداري يخص المنشآت الخدمية والقاعات التي تقدم خدمات للجمهور، ولا يمس بأي شكل من الأشكال صلوات الإكليل (الأفراح) داخل الكنائس.
وفي لفتة إنسانية تعكس تقدير الكنيسة لظروف الشباب، أعلن القمص إبرام إميل عن تقديم تسهيلات استثنائية للعرسان الذين حجزوا مواعيد أكاليلهم خلال فترة “الخمسين المقدسة” (الموسم الذي يلي عيد القيامة). فقد أتاحت الكنيسة مرونة كاملة في تعديل المواعيد وتنسيقها بما يتناسب مع مواعيد غلق القاعات الخارجية، حرصاً على إتمام الفرحة دون أي ضغوط أو عوائق إدارية، وهو ما لاقى استحساناً واسعاً بين الأسر القبطية.

أسبوع الآلام.. رحلة من التوبة والاستعداد الروحي
وبعيداً عن التنظيمات الإدارية، تأخذنا الكنائس إلى جوهرها الروحي، حيث نعيش الآن أيام “الصوم الكبير” التي تقترب من ذروتها مع “أسبوع الآلام” وعيد القيامة المجيد. هذا الأسبوع الذي تصفه بأنه “أقدس أيام السنة”، لا يمر كمجرد طقوس، بل كرحلة وجدانية مكثفة تتخللها صلوات “البصخة” والقراءات التي تتبع خطى السيد المسيح في طريق الآلام والقيامة.
واختتم وكيل البابا تصريحاته برسالة روحية جامعة، دعا فيها الجميع إلى استثمار هذه الأجواء في “التوبة والرجوع إلى الله”. فبينما تطفئ كنائسنا بعض مصابيح الكهرباء ترشيداً للموارد، تضاء داخلها قناديل الروح بالصلاة والتأمل، مؤكدة أن الاستعداد للعيد يبدأ بنقاء القلب والالتزام بروح المسئولية تجاه المجتمع والوطن.








