النور , بين جدران كنيسة القيامة العتيقة في القدس، حيث تختلط رائحة البخور بترانيم الرجاء، يستعد العالم المسيحي اليوم السبت لاستقبال الحدث الأبرز واللحظة الأكثر مهابة؛ “ظهور النور المقدس”. ومع تصاعد التحديات الراهنة، تحولت كنيسة القيامة إلى خلية نحل تعمل وفق استراتيجية أمنية وروحية معقدة، تهدف إلى الحفاظ على هذا الإرث التاريخي وضمان وصول رسالة السلام من قبر السيد المسيح إلى أصقاع الأرض.

نظام “الستاتيكو” التاريخي: سر التناغم بين الطوائف في سبت النور
في تصريحات خاصة، كشف أديب جودة الحسيني، أمين مفتاح كنيسة القيامة، عن كواليس الإدارة التنظيمية لهذا العام. وأكد أن العمل يجري وفق نظام “الستاتيكو” (الوضع الراهن) التاريخي، وهو البروتوكول الذي ينظم العلاقة بين الطوائف المسيحية المختلفة منذ قرون.
هذا العام، تم تكثيف الاجتماعات التحضيرية لضمان تنسيق كامل يشمل توزيع المسؤوليات خلال القداديس، وتنظيم حركة دخول وخروج الآلاف من المصلين. وتتجلى عظمة هذا التنسيق في الطقوس المشتركة، خاصة لحظة “تفتيش القبر المقدس”، حيث يحضر ممثلو الطوائف كشهود على خلو القبر من أي مادة مسببة للنور، قبل أن يُغلق الباب ويُختم بالشمع والعسل الممزوج، في مشهد يحبس الأنفاس بانتظار المعجزة.

أبعد من الأمن: خطط طوارئ شاملة لحماية “القداسة” والزوار
لم تقتصر الاستعدادات على الجانب الروحي، بل امتدت لتشمل “استراتيجية حماية” متكاملة. وأوضح الحسيني أن هناك خطط طوارئ دقيقة تم وضعها للتعامل مع أي سيناريو محتمل، سواء كان حريقاً، أو حادثاً عرضياً، أو خرقاً أمنياً.
وتشمل هذه الإجراءات:
تعزيز الكوادر: زيادة عدد المشرفين والكهنة المنظمين للطقوس لضمان الالتزام الصارم بالجدول الزمني.
التنسيق مع السلطات: العمل المباشر مع الجهات الأمنية لتفتيش المرافق المحيطة بالكاتدرائية وتأمين ممرات الزوار، مع الحرص الشديد على ألا تعيق هذه الإجراءات الانسيابية الروحية للمكان.
نقاط التجمع الآمنة: تدريب المتطوعين والموظفين على توجيه الحشود في حالات الضرورة، لضمان أن تظل كنيسة القيامة بيئة آمنة للصلاة والاحتفال.

رحلة النور: من فحص القبر إلى شموع المصلين حول العالم
تظل معجزة النور المقدس هي الطقس الأهم الذي ينتظره الملايين. ففي صباح سبت النور، يتم التأكد من عدم وجود أي مسببات بشرية للنور داخل القبر، وهي خطوة تقليدية تؤكد على قدسية الحدث. وبمجرد بزوغ النور وانبعاثه من قبر المسيح، يشع الضياء في أرجاء الكنيسة، حيث يتسابق المصلون لإضاءة شموعهم من هذا “القبس الإلهي” الذي يُنقل لاحقاً عبر طائرات خاصة إلى مختلف دول العالم.
إن إجراءات حماية الطقوس في القدس اليوم ليست مجرد ترتيبات إدارية، بل هي “درع روحي” يجمع بين التنظيم الإداري المحكم والتنسيق الطائفي العميق، لضمان أن تظل احتفالات القيامة في القدس منارة للأمل ورمزاً للصمود الإنساني والديني في وجه كل الظروف الراهنة. وبذلك، تنجح كنيسة القيامة مرة أخرى في تقديم نموذج فريد للتعايش والاحترام الديني تحت سقف واحد.








