الأحوال الشخصية < jشهد الدولة المصرية لحظة فارقة في تاريخها التشريعي، حيث يقترب مشروع “قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين” من عبور بوابات البرلمان بعد ماراثون من المفاوضات بين الكنائس الست الكبرى. هذا القانون ليس مجرد نصوص قانونية، بل هو “وثيقة مواطنة” طال انتظارها لإنهاء أزمات آلاف الأسر، وفك الاشتباك التاريخي بين العقائد الدينية والآثار المدنية للزواج، بما يضمن استقرار المجتمع وحماية حقوق المرأة والطفل.

الكنيسة الكاثوليكية: لا طلاق في عقيدتنا ولكن “بطلان الزواج” هو الحل القانوني
في توضيح حاسم لقطع الطريق أمام الشائعات، أكد الأنبا باخوم أن الكنيسة الكاثوليكية تتمسك بثوابتها الروحية مع الانفتاح على العصر. الكنيسة كانت شريكاً فاعلاً في صياغة القانون، معتمدةً مبدأ الفصل بين ما هو “روحي” وما هو “مدني”. فبينما تتفق مع باقي الطوائف في الأمور المدنية كالنفقة والحضانة والميراث، تظل مستقلة في قوانين “سر الزواج”.
وشدد الأنبا باخوم على أن الكنيسة الكاثوليكية لا تعرف “الطلاق” إطلاقاً، بل تعتمد “إعلان البطلان”. هذا المسار يعني أن الزواج كان باطلاً منذ البداية بسبب عيوب خفية مثل الغش، أو العجز، أو الأمراض النفسية المستعصية التي سُبقت العقد. القانون الجديد يُلزم القضاء المدني باستطلاع رأي الكنيسة قبل الحكم، لضمان توافق القانون مع الضمير العقائدي، مع بقاء منح “تصريح الزواج الثاني” حقاً سيادياً للكنيسة وحدها.

“الوحدة في التنوع”: كيف ينهي القانون الأحوال الشخصية الجديد ظاهرة “سياحة الطوائف”؟
من جانبه، وصف المستشار يوسف طلعت، المستشار القانوني للكنيسة الإنجيلية، القانون بأنه “موحد وليس واحداً”؛ فهو يوحد الإجراءات والمبادئ العامة، لكنه يحترم خصوصية كل طائفة في أسباب إنهاء العلاقة. وأوضح أن المشروع يقسم انتهاء الزواج إلى ثلاث فئات: البطلان، الانحلال، والتطليق، مما يضمن لكل مواطن التحاكم وفقاً للشريعة التي عقد زواجه عليها.
ولعل “الضربة القاضية” التي وجهها القانون الجديد كانت للمتحايلين عبر ما يُعرف بـ “تغيير الملة”. فلطالما استغل البعض تغيير الطائفة للحصول على طلاق لا تسمح به كنيستهم الأصلية. القانون الجديد حسم الجدل: “العبرة بشريعة العقد”. أي أن شروط الكنيسة التي تم فيها الزفاف هي التي ستطبق حتى النهاية، مما يغلق باب التلاعب ويحمي قدسية العقود الزوجية من ألاعيب الهروب من الالتزامات.

الخيانة الإلكترونية والمساواة في الميراث: تشريع يواكب نبض العصر
لم يتوقف قانون الأحوال الشخصية عند تنظيم الانفصال، بل امتد ليشمل تحديثات اجتماعية ثورية. فقد كشف المستشار طلعت عن توسيع مفهوم الخيانة الزوجية ليتماشى مع التطور التكنولوجي، حيث أصبحت “الخيانة المقنعة” (عبر الوسائل الحديثة) قرينة يعتد بها القاضي لإنهاء العلاقة إذا ما دمرت الثقة بين الزوجين.
وفي خطوة انتصرت فيها الكنيسة للمرأة، أعلن الأنبا باخوم أن القانون أقر رسمياً “المساواة الكاملة في الميراث” بين الرجل والمرأة. هذا النص يعيد الاعتبار للمنظور المسيحي الأصيل الذي لا يفرق بين الأبناء على أساس الجنس، وينهي عقوداً من النزاعات القضائية التي كانت تفرض لوائح لا تتسق مع العقيدة المسيحية في توزيع الإرث. إننا أمام تشريع عصري، يصون الأسرة، ويحترم العقيدة، ويؤسس لمستقبل أكثر استقراراً للمسيحيين في مصر.







