شنودة , في مايو من عام 1973، اتجهت أنظار العالم صوب الفاتيكان، حيث كُتب فصل جديد في تاريخ المسيحية العالمية. هناك، التقى البابا شنودة الثالث بالبابا بولس السادس، في مشهد لم يحدث منذ انقسام مجمع خلقيدونية عام 451 ميلادية. لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل كانت “رحلة استعادة” و”بناء جسور”؛ حيث عاد البابا شنودة إلى القاهرة ومعه جزء من رفات القديس أثناسيوس الرسولي، ليطوي صفحة من الجفاء استمرت لأكثر من 15 قرناً، ويفتح باب الحوار الذي لا يزال مفتوحاً حتى اليوم.

رحلة البابا شنودة لاستعادة “حامي الإيمان”: مفاوضات الرفات من البندقية إلى القاهرة
لم تكن العودة برفات البابا أثناسيوس الرسولي أمراً هيناً، بل كانت نتاج ملحمة دبلوماسية وروحية بدأت خيوطها عام 1969. حينها، اكتشف وفد قبطي وجود مقبرة “حامي الإيمان” في مدينة البندقية الإيطالية، بعد رحلة طويلة للرفات بدأت من الإسكندرية للقسطنطينية وصولاً لإيطاليا.
دخل البابا شنودة الثالث في مفاوضات رسمية وجادة مع الفاتيكان عام 1972، ورغم التحفظات الأولية من الكنيسة في البندقية، إلا أن رغبة البابا بولس السادس في التقارب مع الكنيسة القبطية حسمت الأمر. كانت إعادة الرفات بمثابة “عربون محبة” وقرار تاريخي مهد للطريق نحو لقاء القمة في روما، ليعود القديس أثناسيوس إلى أرضه التي دافع عن إيمانها بكل قوة.

10 مايو 1973: يوم وقّعت الكنيستان وثيقة “طبيعة المسيح”
بلغت الزيارة ذروتها في العاشر من مايو، وهو اليوم الذي تحول لاحقاً إلى “يوم الصداقة” بين الكنيستين. في هذا اليوم، وقّع البابا شنودة والبابا بولس بياناً كريستولوجياً (لاهوتياً) مشتركاً، وضع حداً لقرون من سوء الفهم حول “طبيعة السيد المسيح”.
أكد البيان اتفاق الكنيستين على الإيمان بالمجامع المسكونية الثلاثة الأولى، والأهم من ذلك، الاتفاق على صيغة إيمان موحدة تنهي الخلاف التاريخي الذي تسبب في انقسام الكنيسة قديماً. لم يقوم البابا شنودة بإذاعة حينها أن الوحدة اكتملت، بل قال بوعيه المعهود إنها “بداية تقوم على المحبة”، مشدداً على أن الحوار اللاهوتي والطقسي هو السبيل الوحيد لتقريب المسافات.

إرث “اللجنة المشتركة”: حوار لم ينقطع رغم التحديات
لم تكن الزيارة مجرد لقاء عابر ينتهي بانتهاء مراسمه، بل أسست لآلية عمل مستدامة تمثلت في “اللجنة المشتركة للحوار”. هذه اللجنة كُلفت بدراسة التاريخ واللاهوت والطقوس، لضمان استمرار التفاهم وتجنب أي صدامات فكرية مستقبلية.
رافق البابا في هذه الرحلة رموز كنسية كبرى مثل الأنبا غريغوريوس والأنبا باخوميوس، ليكون الوفد شاهداً على لحظة تحول الكنيسة القبطية من “العزلة” إلى “الانفتاح المسكوني” الرائد. واليوم، وبعد مرور عقود، لا يزال بيان 1973 هو المرجع الأساسي والعروة الوثقى التي تجمع بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية في مسيرة البحث عن الوحدة.








