هانتا , تتحول الرحلات السياحية الفاخرة أحياناً إلى كوابيس حقيقية، وهذا ما حدث تماماً على متن السفينة “هونديوس” (Hondius)، التي تحولت من أيقونة للاستجمام في المحيط إلى “بؤرة عائمة” لفيروس “هانتا” الفتاك. في مشهد هوليوودي، استنفرت السلطات الصحية في 19 دولة لإنقاذ رعاياها، بعد أن بدأت تظهر أنياب الفيروس القاتل بحصاد أرواح ركاب مسنين، مما دفع وزيرة الصحة الإسبانية مونيكا غارسيا للإعلان عن عملية إجلاء دولية كبرى تحت حراسة طبية مشددة.

إجلاء عابر للقارات: طائرات خاصة وعزل عسكري لمواجهة “الفيروس الغامض”
لم يكن الإجلاء الذي شهدته جزر الكناري اعتيادياً؛ فقد غادر 94 راكباً من أصل 152 كانوا على متن السفينة، موزعين على ثماني طائرات خاصة في محاولة لسباق الزمن قبل تفشي العدوى بشكل أكبر. العملية التي وصفتها وزيرة الصحة الإسبانية بالمعقدة، شملت إرسال طائرات من هولندا وأستراليا لنقل من تبقى من الرعايا، بينما تم نقل الركاب الإسبان إلى مستشفى عسكري في مدريد ليخضعوا لبروتوكول حجر صحي صارم.
هذا الاستنفار جاء بعد أن أبلغت منظمة الصحة العالمية عن وفاة ثلاثة ركاب (زوجان هولنديان وامرأة ألمانية) بأعراض تنفسية حادة وصادمة. وما زاد من قلق السلطات هو ظهور أعراض المرض على مواطن فرنسي فور وصوله إلى بلاده، رغم أن الفحوصات الأولية على متن السفينة لم تظهر أي إصابات نشطة، مما يشير إلى فترة حضانة غادرة للفيروس قد تخدع الأجهزة الطبية.

لغز فيروس “هانتا“: هل انتقل الموت عبر رذاذ القوارض أم بين البشر؟
يعد فيروس “هانتا” واحداً من أخطر الفيروسات التي تسبب متلازمة رئوية حادة، حيث تصل نسبة الوفيات فيه إلى حوالي 40%. ينتشر هذا الفيروس عادة عبر ملامسة فضلات أو بول القوارض المصابة أو استنشاق الغبار الملوث بها. ويرجح الخبراء أن العدوى بدأت عندما رست السفينة في الأرجنتين مطلع أبريل الماضي، حيث يُعتقد أن بعض الركاب التقطوا الفيروس أثناء جولات ريفية.
لكن الرعب الحقيقي يكمن في سلالة “أنديز” المشتبه بها في هذه الحادثة، وهي السلالة الوحيدة من فيروسات هانتا التي يُعتقد أنها قد تنتقل من إنسان إلى آخر. هذا الاحتمال جعل المنظمات الصحية الدولية في حالة تأهب قصوى، حيث تلاحق السلطات حالياً أكثر من 30 شخصاً نزلوا من السفينة في محطات توقف سابقة (مثل الرأس الأخضر)، خوفاً من أن يكونوا قد نقلوا العدوى إلى بلدانهم دون علمهم.

سفينة الأشباح: رحلة العودة إلى روتردام وجثة في “الثلاجة”
بينما غادر أغلب الركاب، بقيت السفينة “هونديوس” تبحر بطاقم مصغر قوامه 34 فرداً فقط، في رحلة كئيبة نحو ميناء روتردام في هولندا. السفينة التي ترفع العلم الهولندي تحمل معها “حمولة ثقيلة”؛ ليس فقط الفيروس المختبئ في أروقتها، بل وجثة الضحية الألمانية التي تقرر عدم نقلها إلا عند الوصول إلى الميناء النهائي.
بمجرد وصولها، ستخضع السفينة لعملية تطهير كيميائية شاملة وإبادة لأي قوارض قد تكون تسللت إلى مخازنها. وحتى ذلك الحين، سيبقى الركاب المجلون تحت المراقبة الطبية الدقيقة لمدة قد تصل إلى ثمانية أسابيع، وهي أقصى فترة حضانة معروفة لهذا الفيروس، لضمان عدم تحول هذه الرحلة السياحية المنكوبة إلى فتيل يشعل أزمة صحية عالمية جديدة.








