الطوائف , تخطو الدولة المصرية خطوة تاريخية وجادة نحو ترتيب بيت الأسرة المسيحية وتشريع القوانين المنظمة لها، حيث يناقش مجلس النواب حالياً مشروع قانون الأسرة الجديد للمسيحيين، والمعروف إعلامياً بمشروع «الأحوال الشخصية للأقباط». يمثل هذا القانون نقلة نوعية ومنعطفاً تشريعياً هاماً يهدف إلى إنهاء عقود من التباين والاختلاف في القواعد القانونية التي كانت تحكم النزاعات الأسرية بين الكنائس المختلفة، مسجلاً بداية عصر جديد من الاستقرار القانوني والاجتماعي لآلاف الأسر المسيحية في مصر، عبر صياغة إطار تشريعي موحد يحترم الخصوصية العقائدية.

مظلة تشريعية واحدة.. الطوائف الـ 6 مسيحية تحت حكم قانون موحد
لطالما عانت المنظومة القضائية في ملفات الأحوال الشخصية للمسيحيين من تشتت القواعد وتعدد المرجعيات بحسب كل كنيسة، وهو ما جاء مشروع القانون الجديد ليعالجه بشكل حاسم. حددت المادة الأولى من المشروع نطاق تطبيق أحكامه بوضوح، لتشمل الطوائف الست مسيحية رئيسية معترف بها رسمياً في مصر. هذه الطوائف هي: الأقباط الأرثوذكس، السريان الأرثوذكس، الروم الأرثوذكس، الأرمن الأرثوذكس، بالإضافة إلى الأقباط الإنجيليين، والكاثوليك.
هذا الدمج التشريعي لا يعني طمس الهوية الدينية لكل طائفة، بل على العكس؛ فقد حرص القانون على صياغة معادلة متوازنة تنص على العودة إلى المبادئ والشرائع الدينية الخاصة بكل كنيسة من الطوائف في المسائل التفصيلية التي لم ترد في نصوص القانون الموحد، شريطة ألّا تصطدم تلك القواعد بالنظام العام للدولة. هذا التوجه الذكي يضمن الحفاظ على الأسرار الكنسية والخصوصية العقائدية لكل طائفة، وفي الوقت نفسه يوفر آلية قضائية موحدة ومستقرة تفصل في النزاعات أمام المحاكم المصرية.

من الخطبة إلى الميراث.. تنظيم شامل لرحلة الحياة الزوجية
لم يترك مشروع القانون الجديد ثغرة إلا وحاول معالجتها وتنظيمها؛ إذ جاء التعديل شاملاً ومتكاملاً ليرعى رابطة الزوجية في كافة مراحلها. يبدأ القانون بتنظيم فترة الخطبة ووضع قواعد واضحة ومحددة للعدول عنها وما يترتب على ذلك من حقوق مادية، ثم ينتقل إلى شروط وإجراءات الزواج وتوثيقه، مؤكداً على الطبيعة الدينية الخاصة لهذا الرباط المقدس.
كما أفرد المشروع مساحة واسعة لتنظيم الحقوق والالتزامات المالية بين الزوجين، مشتملاً على تحديد مصير منقولات الزوجية، ووثائق التأمين المرتبطة بعقد الزواج لحماية الحقوق المادية للطرفين. ولم يغفل القانون القضايا الشائكة، حيث حدد بشكل قاطع موانع الزواج وحالات بطلانه، مع التشديد المطلق على حظر تعدد الزوجات، وصولاً إلى تنظيم أحكام الميراث والوصية بما يضمن صيانة التركات وتوزيعها بشكل عادل وقانوني يمنع النزاعات المستقبلية بين الورثة.

حظر التعدد وضوابط صارمة للتطليق.. دور محوري للكنيسة قبل كلمة القضاء
لعل أبرز ما يميز مشروع القانون المعروض على البرلمان هو تنظيمه الصارم لملف إنهاء العلاقة الزوجية والطلاق. فقد وضع المشروع ضوابط محددة وحاسمة لحالات التطليق، مغلّقاً الباب أمام التفسيرات العشوائية. ومنعاً لتسرع الأطراف في هدم الكيان الأسري، فرض القانون على المحكمة التزاماً قانونياً بضرورة بذل كافة مساعي الصلح الممكنة بين الزوجين وتفعيل دور مكاتب تسوية المنازعات الأسرية.
وفي لفتة تعزز الشراكة بين مؤسسات الدولة والكنيسة، ألزم القانون المحكمة بضرورة الاستئناس والاستعانة برأي الرئاسة الدينية المختصة بكل طائفة قبل الفصل النهائي في دعاوى الطلاق. هذا الإجراء يضمن أن يكون القرار القضائي متسقاً مع الرؤية الروحية والدينية للكنيسة التي ينتمي إليها الزوجان، مما يسهم في تهدئة النفوس وفتح طاقات أمل للصلح، ويمنح الأسر المسيحية الأمان والاستقرار المنشود تحت مظلة قضاء عادل وقانون مرن يحترم الأديان.








