المجمع المقدس , تعيش الكنيسة القبطية الأرثوذكسية هذه الأيام حراكاً استثنائياً يمزج بين عمق العمل الروحي ودقة التخطيط الرعوي، في مشهد يمثل ذروة الحيوية الكنسية لعام 2026. فبينما تقترب “فترة الخماسين المقدسة” من محطتها الأخيرة لتمهد الطريق لصوم الآباء الرسل، يفتح المجمع المقدس أبوابه لعقد دورته السنوية العادية برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني. هذا التزامن الفريد يضع الكنيسة أمام مشهد متكامل، يربط بين الفرح الليتورجي الشعبي والترتيب الإداري والتشريعي للمستقبل.

ختام الخماسين.. عندما يتحول فرح القيامة إلى طاقة للخدمة والكرازة
تستعد الإيبارشيات القبطية في مصر وبلاد المهجر لإسدال الستار على أيام الخماسين المقدسة؛ تلك الفترة التي عاشت فيها الكنيسة طقساً احتفالياً فريداً غمرته ألحان الفرح وخلا تماماً من أصوام النسك وسجود المطانيات. إن قرب انتهاء هذه الفترة يعني طقسياً الاستعداد لعيد العنصرة المجيد، الذي يخلد ذكرى حلول الروح القدس، ويليه مباشرة صلاة “السجدة” الخاشعة. هذا الانتقال ليس مجرد تغيير عابر في النغمات الكنسية أو ألوان الستور داخل الهياكل، بل هو تحول روحي عميق ينتقل به المؤمن من مرحلة الابتهاج الشديد بالقيامة إلى مرحلة الانطلاق للخدمة والشهادة، والتي تتجسد عملياً في “صوم الآباء الرسل”، وهو أقدم أصوام الكنيسة التي تأسست عليها الكرازة.

البرلمان الكنسي.. المجمع المقدس لجان متخصصة تصيغ الهوية وتحمي الإيمان
بالتوازي مع هذه الأجواء الروحية الغامرة، تتجه أنظار الأقباط نحو الكاتدرائية المرقسية بالعباسية ودير القديس الأنبا بيشوي بوادي النطرون، حيث تنطلق أعمال الدورة السنوية للمجمع المقدس لعام 2026. ويُشكل المجمع المقدس السلطة العليا والتشريعية في الكنيسة، ويضم في عضويته المطارنة، والأساقفة، ورؤساء الأديرة، ووكيل البطريركية. وتكتسب لقاءات هذا العام أهمية بالغة بالنظر إلى الملفات الحيوية المعروضة على طاولات اللجان المتخصصة؛ حيث تدرس لجنة “الإيمان والتعليم والطقوس” سبل ضبط الألحان وحماية الكتب الطقسية مع تقديم إجابات واعية لمواجهة التحديات الفكرية المعاصرة التي تواجه الأجيال الجديدة.

تدبير المهجر وضبط الأديرة.. رؤية استراتيجية لرعاية شاملة
لا تتوقف مناقشات المجمع عند حدود التعليم فحسب، بل تمتد لتشمل مراجعة الواقع الرعوي المعاش؛ حيث تبحث لجنة “شؤون الإيبارشيات والمهجر” آليات تنظيم الخدمة للأقباط المغتربين خارج مصر وتدبير شؤون الإيبارشيات الشاغرة لضمان استمرار الرعاية بلا انقطاع. وفي الوقت ذاته، تضع لجنة “الرهبنة والأديرة” ملف الحفاظ على الهوية الرهبانية الأرثوذكسية الأصيلة في مقدمة أولوياتها، مع التركيز على ضبط الحياة الديرية وحمايتها من التغريب. إن هذا التناغم بين الروح والتنظيم يؤكد أن الكنيسة القبطية، برئاسة البابا تواضروس الثاني، تتحرك بوعي وحكمة لضمان سلامة الإيمان واستقرار التدبير الرعوي للأجيال القادمة في كل مكان.








