شنودة , شهدت العلاقات بين الكنيستين القبطية الأرثوذكسية والكاثوليكية تحولاً جذرياً في العصر الحديث، طوى صفحة قرون طويلة من الانفصال منذ مجمع خلقيدونية التاريخي. وبدأت ملامح هذا العصر الجديد بالتزامن مع جلوس المتنيح قداسة البابا شنودة الثالث على الكرسي المرقسي عام 1971، متبنياً رؤية انفتاحية واضحة للحوار مع الحفاظ الصارم على ثوابت الإيمان الأرثوذكسي القبطي.

نصف قرن من التقارب بدءها البابا شنودة الثالث.. زيارات تاريخية رسمت ملامح الحوار المسكوني
وجاءت المحطة الأبرز في مايو 1973، حينما قام البابا شنودة بزيارة تاريخية إلى الفاتيكان والتقى البابا بولس السادس، لتسفر تلك الزيارة عن إعلان لاهوتي مشترك أكد أن جذور الخلافات تعود في جانب كبير منها إلى “اختلاف المصطلحات والتعبيرات اللاهوتية” لا العقيدة الجوهرية. وتوالت بعد ذلك المحطات، بداية من زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى مصر عام 2000، وصولاً إلى حبرية قداسة البابا تواضروس الثاني عام 2012، حيث توجت العلاقات بإعلان يوم 10 مايو من كل عام “يوماً للمحبة الأخوية”، وزيارة البابا فرنسيس لمصر عام 2017، والزيارة اليروتوكولية لروما في مايو 2023 التي شهدت خطوة تاريخية بإدراج شهداء ليبيا الأقباط في السنكسار الروماني للشهداء.

عاصفة 2024.. أزمة “مباركة المثليين” تعلّق مسار التفاهم اللاهوتي
وعلى الرغم من المكتسبات الروحية الكبيرة والتقارب المشهود عبر العقود الماضية، واجه قطار الحوار اللاهوتي هزة عنيفة مع مطلع عام 2024؛ حيث دخلت العلاقات مرحلة من “التوقف النسبي” والجمود المؤقت إثر صدور وثائق وتصريحات كنسية عن الفاتيكان حامت حولها الشكوك بشأن قضية “مباركة المثليين”، وهو ما قوبل برفض تام وحاسم من المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية لتعارضه مع التعاليم الرسولية والكتابية.
وعلى الفور، اتخذت الكنيسة القبطية قراراً بتعليق الحوار اللاهوتي الثنائي، مؤكدة حاجتها لإعادة تقييم ومراجعة دقيقة لعدد من الملفات الرعوية والعقائدية المطروحة لضمان عدم المساس بالتقليد الكنسي المستقر، مع الحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسية والإنسانية والمشاركات في المؤتمرات الدولية مفتوحة، تأكيداً على عدم الانقطاع التام واحترام الخصوصية العقائدية لكل جانب.

انفراجة 2026.. مكالمة البابا تواضروس تجدد جسور التواصل الروحي
ولم يدم هذا التوقف طويلاً؛ فمع حلول عام 2026، أسفرت الجهود التمهيدية والاتصالات المكثفة بين الجانبين عن انفراجة لاهوتية ودبلوماسية كبرى تعيد مسار العلاقات إلى السكة الصحيحة؛ حيث قرر أعضاء المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية رسمياً استئناف الحوار اللاهوتي مع الكنيسة الكاثوليكية.
وجاء هذا القرار الحاسم عقب تلقي الكنيسة القبطية تأكيدات لاهوتية قاطعة وواضحة بعدم منح أي شكل من أشكال البركة للمثليين، وهو ما تم الاتفاق والتشديد عليه خلال المكالمة الهاتفية التاريخية التي جمعت بين قداسة البابا تواضروس الثاني، وبابا الفاتيكان القدير البابا لاون الرابع عشر في يوم الجمعة، 15 مايو 2026. وتبرهن هذه العودة السريعة والمنضبطة على أن العلاقات بين الكنيستين تقوم على أساس متين من الاحترام المتبادل، والرغبة المشتركة في الحفاظ على الشهادة المسيحية الموحدة وصون الوجود الروحي في الشرق الأوسط أمام تحديات العصر الحالية.






