الأحوال , تشهد الساحة المصرية حالياً حراكاً تشريعياً هو الأبرز من نوعه، حيث يترقب المجتمع المسيحي بمختلف طوائفه اللمسات الأخيرة لـ “قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين”. هذا المشروع الذي جرى صياغته بعد سنوات طويلة من المفاوضات الشاقة والاجتماعات المكثفة بين ممثلي الكنائس الكبرى في مصر، انتقل رسمياً إلى أروقة وزارة العدل تمهيداً لطرحه تحت قبة البرلمان. وفي الوقت الذي يُنظر فيه إلى القانون كطوق نجاة لإنهاء معاناة الآلاف، فجّرت المادة (30) عاصفة من الجدل القانوني واللاهوتي بسبب ما تضمنته من استثناءات تخص موانع الزواج.

انفراجة تاريخية لـ 270 ألف حالة طلاق معلقة أمام القضاء
تكمن الأهمية القصوى لهذا القانون في كونه يأتي كحل حتمي لأزمة متراكمة تمس استقرار آلاف الأسر؛ إذ تكشف المؤشرات عن وجود ما يقرب من 270 ألف حالة طلاق للمسيحيين لا تزال معلقة ومنظورة أمام المحاكم المصرية دون حسم.
ويصف رجال القانون والدستور هذا المشروع بأنه “انفراجة تاريخية” طال انتظارها. وتعود القوة الحقيقية لهذه الخطوة إلى التوافق الكنسي غير المسبوق، حيث وقعت الطوائف الخمس في مصر على بنوده. هذا الإجماع من شأنه أن ينهي عقوداً طويلة من التضارب التشريعي، ويمنح القاضي المصري خارطة طريق واضحة وموحدة للبت في النزاعات الأسرية بسلاسة ويُسر، بعيداً عن التعقيدات السابقة.

المادة 30 في مرمى النيران.. زواج الأقارب يثير عاصفة لاهوتية
رغم الأجواء الإيجابية التي صاحبت الإعلان عن التوافق حول القانون، إلا أن تقريراً متخصصاً صادر عن موقع “برلماني” ألقى الضوء على أزمة حادة تختبئ بين نصوص المشروع، وتحديداً في المادة (30) التي أصبحت حرفياً “في وش المدفع”.
تكمن الإشكالية في سماح هذه المادة باستثناءات على موانع الزواج كانت تُصنف تاريخياً وفقهياً ضمن المحظورات. وأبرز هذه الاستثناءات هو جواز الزواج من أخت الزوجة المتوفاة، أو الزواج من زوجة الأخ المتوفى، شريطة عدم وجود أبناء من الزيجة الأولى. هذا النص المقترح فتح الباب على مصراعيه لجدل ديني وقانوني واسع النطاق داخل الأوساط الكنسية والمجتمعية، بين مؤيد يراها تيسيراً وتماشياً مع ظروف الحياة، ومعارض يراها خروجاً عن الثوابت المستقرة.

معضلة التوفيق بين النص المقترح في قانون الأحوال الشخصية وأحكام الإنجيل والدستور
يواجه هذا الإستثناء التشريعى تحدي مزدوج يضعه في مأزق شرعي ودستوري؛ فالرافضون للمادة (30) يؤكدون أن هذه الإباحة تتعارض بشكل صريح مع الأحكام والتعاليم المستقرة في الإنجيل والموروث اللاهوتي للكنيسة، والتي تحرم زواج الأقارب من هذه الدرجة لما فيه من شبهات اختلاط الأنساب وتغيير طبيعة العلاقات الأسرية المستقرة.
من جهة أخرى، يبرز التعارض الدستوري كعقبة قانونية؛ حيث ينص الدستور المصري على احتكام المسيحيين لشرائعهم في مسائل الأحوال الشخصية. وبناءً على ذلك، يرى فقهاء القانون أن وجود نص يصطدم بالثوابت الدينية المسيحية قد يفتح الباب مستقبلاً للطعن بعدم دستورية المادة. هذه المعادلة الصعبة تضع المشرّع المصري ونقاشات البرلمان المقبلة أمام اختبار حقيقي: كيف يمكن تحقيق التوازن بين التيسير التشريعي والحفاظ على الهوية العقائدية والدستورية؟







