تحل في الثامن من يونيو الذكرى العشرون لرحيل الأب متى المسكين، أحد أعلام الرهبنة والفكر الروحي في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المعاصر. وبهذا نستذكر شخصًا ترك إرثًا روحيًا وفكريًا لا يزال يشع تأثيره حتى يومنا هذا، بعد وفاته في عام 2006، إثر حياة طويلة ثرية بالخدمة والرهبنة والإبداع الأدبي.

الأب متى المسكين **من صيدلي إلى راهب ناسك**
باسم يوسف إسكندر في 20 سبتمبر 1919 بمدينة ولد الأب متى المسكين بنها في محافظة القليوبية. بعد تخرجه من كلية الصيدلة وممارسته لهذا المجال لعدة سنوات، قرر أن يكرّس حياته لله. في عام 1948، التحق بدير الأنبا صموئيل المعترف، حيث اتخذ اسم “الأب متى المسكين” وبدأ مسيرته الرهبانية. اختار الأب متى حياة النسك والتأمل العميق، فعاش لفترة طويلة في عزلة بمغائر وادي الريان، حيث كان يتفرغ للصلاة والتأمل الروحي. لاحقًا أُوكلت إليه مهمة إحياء الحياة الرهبانية في دير القديس الأنبا مقار بوادي النطرون، وهو ما بات محطة فارقة في حياته.

**إحياء دير الأنبا مقار**
تُعد مساهمة الأب متى المسكين في نهضة دير الأنبا مقار من أهم إنجازاته. قاد عملية إصلاح واسعة أعادت للدير تألقه، سواء من خلال تقوية الحياة الروحية أو بتوسيع الأنشطة العمرانية والزراعية.. بفضل قيادته الحكيمة، أصبح الدير مركزًا يقصده الباحثون عن حياة الرهبنة من مختلف أنحاء العالم.
إلى جانب ذلك، كان شغوفًا بالبحث والمعرفة، مما دفعه لإنشاء مدرسة فكرية وروحية أثرت بعمق على أجيال من الرهبان والخدام والباحثين، وتركت بصمة علمية انعكست على الكتابات اللاهوتية والروحية.
**إرث فكري وروحي خالد**
خلف الأب متى المسكين مكتبة زاخرة بعشرات المؤلفات التي تناولت موضوعات متنوعة في تفسير الكتاب المقدس، الحياة الروحية والنسكية، والليتورجيا. ومن بين أبرز أعماله كان تفسيره لأسفار العهد الجديد، إضافة إلى كتبه الروحية التي تُرجمت إلى لغات متعددة، ما جعل فكره يتجاوز حدود الكنيسة القبطية ليؤثر على نطاق واسع.
تميز أسلوبه بالعمق والبساطة معًا في تناول القضايا اللاهوتية والروحية، مما رسّخه كواحد من أكثر الكتّاب المسيحيين تأثيرًا في العصر الحديث.

**رحيله وإرثه الذي لا يزول**
في الثامن من يونيو 2006، فارق الأب متى المسكين الحياة عن عمر يناهز 86 عامًا بعد رحلة طويلة قضاها في خدمة الكنيسة والرهبنة. أقيمت جنازته بدير الأنبا مقار الذي ارتبط باسمه، وبقي شاهدًا على إنجازاته التي امتدت لعقود.
وبمرور عشرين عامًا على رحيله، لا يزال إرثه الفكري والروحي حيًا، ترتوي منه الأوساط الكنسية والأكاديمية على حد سواء. إن تأثيره لا يزال ينبض بالحياة من خلال تلاميذه ومحبيه الذين يواصلون نشر أفكاره واستلهام معاني التجديد الروحي وتجذير الفكر المسيحي المعاصر.








