في هذا اليوم، الثلاثين من شهر بشنس، تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ذكرى نياحة البابا ميخائيل الثاني، البطريرك الثامن والستين للكرسي المرقسي. تولى هذا الدور بين عامي 1092 و1102م، تاركًا بصمة بارزة في تاريخ الكنيسة بفضل ورعه، تواضعه، حبه للفقراء، واهتمامه الكبير بالتعليم الكنسي.

البابا ميخائيل الثاني البطريرك الـ 68 من سخا إلى برية شيهيت
وُلد البابا ميخائيل الثاني بمدينة سخا في محافظة كفر الشيخ وسط أجواء مشبعة بالتقوى وحرص على التعلّم الكنسي منذ نشأته. تعمّق في دراسة كتب الكنيسة وحفظ نصوصها، ومع اشتداد شوقه للحياة الرهبانية، قصد دير القديس الأنبا مقار ببرية شيهيت، حيث قُبِل كراهب واتخذ اسم “ميخائيل السنجاري”.
بعد رسامته قسًا، اختار حياة الزهد والعزلة الروحية، وقضى نحو 20 عامًا في مغارة بمنطقة سنجار يكرس حياته للصلاة والجهاد الروحي. هذا المسار جعل منه شخصية روحية بارزة تحظى باحترام كبير بين الرهبان والمجتمع.
الاختيار الذي لم يسعَ إليه
عقب رحيل البابا كيرلس الثاني، اجتمع الأساقفة والكهنة لاختيار خليفة له؛ فوقع اختيارهم على القس ميخائيل السنجاري بسبب سمعته الطيبة وحكمته. ورغم رفضه المبدئي لشعوره بعدم الجدارة، امتثل لإرادة الكنيسة وقَبِلَ المسؤولية. تم رسامته بطريركًا للكرازة المرقسية عام 1092م، ليصبح البطريرك الثامن والستين.

فترة زاخرة بالزهد والتعليم
امتازت قيادته للكنيسة بالزهد والبساطة؛ إذ لم يكن يهتم بجمع المال أو الثروات الشخصية، بل كرّس جهوده لدعم الفقراء ودفع الضرائب عن المحتاجين. كما أشرف على تجديد أدوات الكنائس، نسخ الكتب الكنسية، وعمل على نشر التعليم الديني من خلال عظاته المنتظمة. علاوة على ذلك، حافظ على وحدة وسلام الكنيسة ورعاية المؤمنين في حقبة اتسمت نسبيًا بالاستقرار.
إنجازٌ تاريخي في الحبشة
تجلّى أحد أبرز إنجازاته بزيارته الفريدة إلى الحبشة، ليصبح أول بطريرك إسكندري يقوم بخطوة كهذه. جاءت الزيارة بدعوة من ملك الحبشة الذي سعى للتشاور حول انخفاض منسوب مياه النيل. لاقى البابا استقبالًا حافلًا هناك، وأسهمت الزيارة في تعزيز الروابط بين كنيسة مصر والكنيسة الحبشية. كما نظم شؤون الكنيسة في الحبشة ورسم لها مطرانًا جديدًا وفق القواعد الكنسية.
راعٍ أمين زمن الوباء
إبان اجتياح الطاعون لمصر، أظهر البابا ميخائيل الثاني نموذجًا قياديًا استثنائيًا عبر بقائه في خدمة شعبه. كان يتنقل بين المرضى والمحتاجين لتقديم الدعم الروحي والصلاة من أجلهم. لكنه أصيب بالمرض نفسه وتوفي عام 1102م بعد أن أمضى نحو تسع سنوات وسبعة أشهر في قيادة الكنيسة.

إرث خالد عبر الأجيال
تقول لنا حياة البابا ميخائيل الثاني إن القيادة الكنسية القائمة على التواضع والطاعة تمثل جوهر الرسالة الدينية. فقد أرسى مفهوم الراعي الصالح الذي يكرّس حياته لخدمة شعبه ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم على حد سواء، مما يجعله نموذجًا يُحتذى للأجيال المقبلة.








