البحث

تابعنا على

العودة الى الرئيسية

تسامح الإسلام مع اعتقادهم ..كيف يقدم شرطى على اعتقال مجموعة من الشباب المسيحيين بهذا التصرف

منذ 6 يوم
November 8, 2018, 6:12 pm
تسامح الإسلام مع اعتقادهم ..كيف يقدم شرطى على اعتقال مجموعة من الشباب المسيحيين بهذا التصرف

مواضيع عامة 

من ارشيف قضايا الاقباط

عصام زهير 

بماذا نفسِّر تأكيد البعض تسامح الإسلام مع اعتقادهم فى نفس الوقت فى وجود حدّ الردة؟ ألا تتضمَّن فكرة أننا نتسامح مع معتقدات المختلفين تصورًا حول أفضلية معتقداتنا وحطًّا من شأن معتقدات الآخرين؟ ألا يساوى استخدامها هذا المعنى: أكره ما تعتقد لكنى لا أملك كبحك؟  

 

 

أزمة التسامح كمصطلح مستخدم فى حقل حريات الرأى والتعبير والفكر والاعتقاد، وفى الحيّز الدينى منها بالذات، أنه مصطلح مرتبط دلاليًّا بوقوع خطأ أو نشاز أو أمر ليس طبيعيًّا مطلوب منا أن نتسامح فى وقوعه بمعنى أن لا نمنعه.

وعندما يستخدمه المرء مع أفكار أو معتقدات لدى الآخرين وتناقض أفكاره ومعتقداته، فإنه يعطيه شعورًا مستحوذًا بتمجيد قوة معتقداته وأحقيتها وقدرتها على التحمُّل والتقبُّل، ويحط فى نفس الوقت بشكل خفى ومتضمن من قيمة أفكار المختلفين ومعتقداتهم، ويغفل حقوقهم المتساوية فى امتلاك أفكار ومعتقدات مختلفة، سواء تسامحنا معها أم لا.


التسامح يفترض دائمًا -ومهما اتسع نطاقه المعنوى- وجود حدود لا يجب أن يتخطاها الآخر الذى نمارس تسامحنا عليه، حدود داخل حيّزه الفكرى أو التعبيرى أو الاعتقادى الخاص به، وإلا أصبح عندها مهددًا بفقدان هذه الميزة فى تسامحنا.

كما يفترض وجود طرفَين، أحدهما قوى قادر على التسامح بينما يمكن أن لا يتسامح -بالضرورة- فيه، وطرف أقل قوة عليه أن يتقبَّل تسامح الآخر معه بامتنان بخصوص آراء أو معتقدات ما كان له القدرة على التصريح بها لولا تسامح القوى معه، ولهذا القوى حرية التسامح أو عدم التسامح أمام هذه الأفكار والمعتقدات، أو ربما ما كان يفترض أن يتسامح فيها من حيث المبدأ لكنه حصل. وأظن أن الكثير من الظواهر المدهشة حولنا لا يمكن تفسيرها إلا بشيوع ورسوخ هذا المعنى لفكرة التسامح، فلا يمكنك دون ذلك أن تستوعب حديث البعض عن تسامح الإسلام إزاء المعتقدات الأخرى مع اعتقادهم فى نفس الوقت فى وجود حد الردة، ولا كيف يقدم شرطى على اعتقال مجموعة من الشباب المسيحيين يقدّمون للمسلمين بلح الإفطار مع آيات من الإنجيل تدور حول المحبَّة، لا يمكنك كذلك أن تتصوَّر الآلية النفسية المحركة لأعضاء جماعة الإخوان وهم يهتفون: «اغضب يا مرسى» فى نفس الوقت الذى يصفونه فيه بأنه رئيس مدنى ومنتخب!


انتبه الكثيرون منذ وقت طويل إلى وعورة استخدام لفظة «التسامح» بهذا المعنى فى مجالات حرية التفكير والرأى والتعبير والاعتقاد، فهو استخدام يهدر فكرة الحقوق والخلفية القانونية المتساوية للمختلفين، رغم ذلك لم يقلل ذلك من استخدامه. وعمومًا فإن ما لم يراعِه الذين نبهوا إلى الجانب السلبى فى استخدام اللفظ، كان تحليل الفاعلية النفسية الكامنة وراء استخدامه.

وهى فاعلية استحواذ ومتعة تجعل المرء وهو يفاخر بتسامحه تجاه معتقدات الآخرين يعزو إلى معتقداته لا شعوريًّا التعالى والأفضلية والتمكُّن.

وكآلية نفسية لتأكيد سعة استيعاب الذات أو أفقها، وهى سعة مؤقتة ومشروطة بحدودها فى الاستيعاب، قد تدوم طويلاً، وقد تدوم أقل، لكنها لا تقدم أى ضمانات أن لا يأتى الوقت الذى يضيق فيه المتسامح بتسامحه -ما دام إراديًّا- ليقرر التوقُّف عن منحه للآخرين، وما دام كامنًا فى جذر هذا الميكانيزم الدفاعى ذاته رفض موضوعه وعدم الاعتراف بحقوقه المتساوية فى الوجود.

وهو ما نلحظه بوضوح لدى الكثيرين الذين يعنى التسامح عندهم: «أننى أكره ما تعتقده لكنى لا أملك كبحك».


نفس الأمر تقريبًا يمكن قوله عن لفظ مرادف هو «التقبل».

فالتقبل لا بد أن ينطوى ليقع على بذل جهد ما لاستيعاب ما لا يمكن استيعابه بصورة طبيعية. واللفظان معًا ينطويان على إمكانية حضور ذات/ أنا/ فاعل وموضوع/ آخر/ مفعول، كما ينطويان كذلك من حيث المبدأ على هذا الحس المتعالى بالتمييز تجاه مختلف أقل شأنًا يقف على أرضية فكرية أو اعتقادية أو تعبيرية مرفوضة، لذلك تراها الذات بالضرورة أقل من حيث القيمة أو الماهية أو الهوية، مما يضطرها إلى بذل مجهود فى تقبل وجود آخرين ومجاورتهم مع النظر إليهم من علٍ.

ولزمن مضمر قد يحل فى أى وقت، أو فى وقت أنسب، نشعر فيها بتجاوز حرية الآخرين فى التفكير والتعبير والاعتقاد حدود تقبلنا وتسامحنا الممكنة، فنستخدم حريتنا وقوتنا فى حرمانهم من جديد من التقبل والتسامح.


وأظن أن ألفاظًا مثل التسامح والتقبُّل عندما يشيع استخدامها فى مجال حريات التعبير والاعتقاد، فإن ذلك يعكس وجود ميراث ثقيل ومتعالٍ من الاستبداد بالرأى أو بالفكرة أو بالعقيدة الشخصية ورفض كل ما هو دونها.

وميراث الاستبداد هذا هو ما يقتضى منا وجود فاعلية نفسية خاصة تتملق تسامحنا وتقبلنا وتفسر لنا أسباب وجود أصحاب المعتقدات المختلفة ليس من خلال أصالة حقوقهم فى الوجود ولكن من خلال «نظرية» تسامحنا معهم.

فى حين أننا فى الحقيقة نرفض ونصادر على أحقية هؤلاء فى ممارسة اختلافهم بجرأة وحرية.


ألفاظ التسامح والتقبل كل وظيفتها فى رأيى أنها تؤطر المعنى الذى تحتويه داخل حدود من المعنى النقيض له.

ولا يمكن أن تشيع وينتشر استخدامها فى مجالات حرية الرأى والفكر والعقيدة فى مناخ اعتاد ممارسة هذه الحريات بجرأة وتحرر.

مناخ يسلم منذ البداية بحقوق راسخة للجميع -على اختلافهم- فى الاختلاف، والمساواة فى هذه الحقوق بين الجميع بغض النظر عن أى تباينات فكرية أو أيديولوجية أو دينية أو سياسية أو جنسية بينهم، ودون الحاجة إلى إعلاء شأن بعضهم بالقدرة على التسامح مع الآخرين.


لذلك أقترح أن يكف المتشدقون بألفاظ شائعة مثل التسامح والتقبل عن تملق أنفسهم ومعتقداتهم بهذه الطريقة، وأن يستبدلوا بها الحديث عن الحقوق والحريات الأصيلة لكل المختلفين على قدم المساواة، فحرية الآخرين فى التفكير والتعبير والاعتقاد هى حقوق قانونية وإنسانية مكفولة للجميع وحق لهم، لا يهم أصحابها فى شىء تسامحنا وتقبّلنا، فتسامحنا وتقبّلنا أمر واقع مضمون فى كل حال بسيادة القانون

وبطبيعة الأشياء وبقوة الحق الإنسانى.

 

 

المقال 

 







شارك بتعليقك
فيسبوك ()
تنوية هام: الموقع غير مسئول عن صحة ومصداقية الخبر يتم نشره نقلاً عن مصادر صحفية أخرى، ومن ثم لا يتحمل أي مسئولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر. والموقع يقوم فقط بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية المصرية والعالمية لتقديم خدمة إخبارية متكاملة.