البحث

تابعنا على

العودة الى الرئيسية

«فاطمة ناعوت» اقباط مصر المسيحيين، أنتم أكثر سموًّا وشرفًا وغفرانًا مما نستحقّ

منذ 3 شهر
December 19, 2018, 2:42 am
«فاطمة ناعوت» اقباط مصر المسيحيين، أنتم أكثر سموًّا وشرفًا وغفرانًا مما نستحقّ

مواضيع عامه 

«فاطمة ناعوت» اقباط مصر المسيحيين، أنتم أكثر سموًّا وشرفًا وغفرانًا مما نستحقّ

 

 لست أدري إن كانت ً میزة أم ً عیبا في تركیبتي الذھنیة والنفسیة أرفض التسلیم بأمر أراه ناتنا ُعن منظومة المنطق والعقل ُّ والتحضر مھما َ شاع ذلك ُ الأمر  وانتشر وتكرر َّ كل یومٍ ُ.

حتى أصبح من طبائع الامور التى لاتدهش الناس تظل تدهشنى وأقاوم الاعتیاد علیھا، ُ وأستغربھا كأنھا تحدث للمرة الأولى

 

إن أنت َ اعتدت على مشھد رجل یضرب طفلا، أو یھین ً امرأة، أو یعذّب حیوانًا، أو یقطع شجرة، الأمور التي لا تُ تراه، مھما صار ً شائعا، كأنك تراه للمرة الأولى. لماذا؟ حتى تقاومھ. لأنك لو اعتدت على القبح، صار بالنسبة لك أو ُ ی ّلوث الطریق بالنفایات، ْ اعلم أنك في خطر. ّ مر ْن َ نفسك على الدھشة من كل قبحٍ ّ عادیًا. ُ والإنسان لا یقاوم العادات المتكررة. تلك حیلتي الذھنیة التي ّ مر ُ نت نفسي علیھا منذ طفولتي، لأعصم نفسي من فعل ما یرفضھ عقلي، لمجرد أن "كل الناس بتعمل كده". لھذا لا تبرحني الدھشةُ م بحدوث ما یحدث ویتكرر َصدم وأغضب وأرفض أن أُسلّ ّجرت كنیسة، أو قُتل ٌّ مسیحي على ید تكفیري، أُ كلّما ُ اصطدمت بمحنة طائفیة أو تمییز َ عَقدي. أندھش كأنما أرى ذلك القبح للمرة الأولى. فكلما فُ ً منذ أربعین عاما. لكن یبدو أن عقلي الذي أُجبره على أن یرى َّ كل مأساة كأنھا الأولى، ُ ی ّسجل َ الكوارث، في غفلة مني، على ّ عد ٍاد ّ خفي یعمل في المنطقة المظلمة من عقلي: اللاوعي. وقت تفجیر كنیسة البطرسیة بالعباسیة ُ مع نھایة العام الماضي، تأزمت ً كثیر ُ ا ولم أخرج من تلك المحنة إلا حین أقنعت ُّ نفسي بأن تلك ستكون آخر المحن الطائفیة التي تمر ُ بھا مصر. على أي أساس قلت ّ لنفسي ھذا؟ لا أدري. مجرد أمنیة حولھا عقلي إلى عھد ویقین بأن مصر لن تسمح، بعد الیوم، أن ُ یھدم فیھا ُ دار عبادة أو ُ یقتل فیھا مسالمون ُ ع ّزل ُ یصلّون. ھكذا ُ واسیت نفسي لأخرج من المحنة وأكمل حیاتي. لھذا حین وقع تفجیر كنیسة طنطا ثم الأسكندریة في یوم واحد الأحد قبل الماضي في "عید السعف"، ُ انھرت ً تماما، ُ وأدركت أنني كنت ُ أضحك على نفسي، ُ وتیقنت أن َ الأمر ُ أكبر من قدرتي على ّ التحمل. وكان لابد من شيء أفعلھ لأصمد َ قھا الیوم في مقالي ھذا: َد نفسي على أنني بریئةٌ من دم الأبریاء. وكانت القطعة التالیة التي أوثّ ُ وأقاوم وأكمل حیاتي. وكان القلم ُ طبیبي.

 

كتبت ُ ما أطلقت ّ علیھ "إبراء ذمة"، لأصالح نفسي على نفسي،

 

 أقباطَ مصر المسيحيين، أنتم أكثر سموًّا وشرفًا وغفرانًا مما نستحقّ. أقباط مصر المسيحيين أنتم أكثر وطنيةً من كل أدعياء الوطنية والتديّن. أقباط مصر المسيحيين، لن أطلب منكم أن تسامحونا على ما يفعل السفهاءُ منّا كل يوم في حقكّم. لأنني أعلم أنكم مجبولون على السماحة والغفران، وتلاقون إساءاتنا الكثيرة بالمحبة والغفران. وأقرُّ أننا مدينون لكم بالكثير والكثير وأننا غير قادرين على سداد ديوننا نحوكم مهما فعلنا.  الآن لم يعد بوسعي حتى تقديم واجبات العزاء لكم لأنني غارقةٌ في الشعور بالخجل والخزي مما نفعله بكم منذ عقود طوال، وإلى أمد لا يعلمه إلا الله. كلما فعلنا بكم سخافةً أو كارثة أو تفجيرًا أو مجزرة، أعزّي نفسي بأنها الأخيرة بإذن الله، لكنها لا تكون الأخيرة، وتتبعها سخافةٌ أخرى وسخافاتٌ وتفجيرٌ وتفجيرات، ومذبحةٌ ومذابحُ، فتظلُّ رأسي تنخفضُ أمامكم يومًا بعد يوم حتى بِتُّ أتمنى أن تنشقَّ الأرضُ وتبتلعني قبل أن ألتقي مسيحيًّا لأقول له: أعزيّك، البقاء لله، سامحني! منذ تفجيري الأمس في طنطا والأسكندرية وأنا لم أستطع أن أنام لحظةً واحدةً، وضغطي ارتفع ولم أسع حتى لعلاج لأنني أرجو أن أرتاح من هذه الدنيا الظالمة المدنسة بكل سوءات العالم. لحسن الحظ أنني الآن خارج الوطن حتى لا يرى أطفالي دموعي فيجزعون ويشعرون بالخجل من النفس كما أشعر أنا الآن. لن أقول لكم أعتذر لكم، ليس فقط لأنكم لا تحتاجون اعتذاري ولا تنتظرونه، بل لأن الاعتذار فقد معناه وبات لونًا من البلاهة والاستعباط الذي لا يليق بي، لأنني حتى لا أملك يقينًا أنه سيكون اعتذاري الأخير.  تعبتُ من كثرة أخطائنا، وتعبتُ من كثرة غفرانكم، وتعبتُ من الرجاء بأن ينتهي كل هذا دون أن ينتهي، وتعبتُ من عدم القدرة على فهم ما يحدث حولي. عقلي لا يستوعب أن يقتل أحدٌ أحدًا حتى مع وجود سبب للقتل مثل الثأر أو القصاص أو غيره. فكيف يستوعب عقلي المُجهد المُرهق أن يقتل إنسانٌ إنسانًا أعزلَ لا يعرفه وهو يصلي! وهو يصلي! وهو يصلي! وهو يصلي في عيده! أشهدُ أنني لم أسمع في كنيسة كلمة تسيء لي كمسلمة ولا لديني ولا لأي إنسان.  أشهدُ أنني أسمعكم في كنائسكم تدعون لمصر ونيل مصر ورئيس مصر وللمصريين مسلمين قبل مسيحيين.  أشهدُ أنكم ترعون في طقوسكم الخدمية أبناءنا المسلمين الفقراء كما ترعون أطفالكم المسيحيين.  أشهد أن راهبةً مسيحية لم ألتق بها إلا مرة واحدة في حياتي تُصلّي منذ سنوات لابني المريض "عمر نبيل" في كل صلواتها حتى يشفيه الله. أشهد أن مسيحيين قد ساندوني في محنتي بما لا مجال لأن أنساه ما حييت.  أشهدُ أن صلوات كثيرة رُفعت باسمي في محنتي طوال العامين الماضيين أنا المسلمة التي لم تقدم لكم أي شيء.  أشهدُ أنكم لا تعرفون إلا الحب لكل الناس دون قيد أو شرط. ومن يفعل غير هذا منكم فهو ليس منكم. أنتم تتبرأون منه قبل ان يرتدّ إليه طرفه كما تتبرأ منها نصوصكم في العهد الجديد وكما علمكم السيد المسيح رسول السلام عليه السلام. ومن يفعل الشر منكم فهو لا يسير على خطى السيد المسيح ولا تقبلوه بينكم. أشهدُ أن مفاتيح بيتي وكافة شؤون حياتي تكون في أسفاري في حوزة ورعاية أسرة مسيحية شريفة ترعى مصالحي وتخاف علىّ أكثر مما أفعلُ أنا لنفسي وأكثر مما يفعل أقربائي وشقيقي الوحيد. وأشهدُ أنني لم يعد في جعبتي كلمات تعبر عما في نفسي من حزن وأسى وخجل وفقدان أمل في هذا العالم. هذا العالم لم يعد صالحًا للحياة.  هذا العالم صار أبشع من قدرتي على الاحتمال. هذا العالم تعسٌ ودنسٌ وغير جميل. سامحني يا ربُّ فأنا لا ألعن الدهرَ؛ بل ألعن الفحشاء والوحشية والغدر وانعدام الإنسانية في بني الإنسان. وفي بني جلدتي. وفي بني ديني الذي من المفترض أن يحثنا على الرحمة والتراحم. أقباطَ مصر، أقدِّم لكم احترامي، وأضع بين أيادكم خجلي وشعوري .بالعار. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

فاطمة ناعوت

 













شارك بتعليقك
فيسبوك ()
تنوية هام: الموقع غير مسئول عن صحة ومصداقية الخبر يتم نشره نقلاً عن مصادر صحفية أخرى، ومن ثم لا يتحمل أي مسئولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر. والموقع يقوم فقط بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية المصرية والعالمية لتقديم خدمة إخبارية متكاملة.