الرجل الذى كشف عملية تزوير الإسلام

منذ 4 سنه
July 21, 2016, 3:30 am

حضرت قوات الأمن السودانية محمد محمود طه مقيدًا بالسلاسل، يوم الجمعة 18 يناير من عام 1985، ثم أوقفوه على (طبلية) المشنقة، وساق الجلادون تلامذته ومريديه صفوهم فى دائرة عريضة حوله. الإجراءات الأمنية كانت شديدة وقاسية، لم يسمح رجال الأمن لأحد بالدخول ومعه آلة تصوير، وتم التفتيش بشكل صارم على الزوار.  حضر قيادات من الجيش، أهل السلطة وأصحاب المناصب الحكومية، احتلوا مقاعدهم بالصفوف الأمامية، فارقت البسمات تمامًا شفاههم، فقد أدركوا أنهم قد تورطوا فى إعدام الرجل، وأنهم سيكونون شهود عيان على جريمة قتل. الساحة بسجن (كوبر) اكتظت بحضور المئات من جماعة أنصار السنة، والإخوان المسلمين، بل حتى بعض الطرق الصوفية كانوا يقولون (لو تخلى محمود عن أفكاره فهذا انتصار للإسلام، ولو أعدم فقد تخلصنا منه). لم يرحموا شيخوخته ولا عمره الذى وصل إلى خمسة وسبعين عامًا، كان مكبل اليدين وهو فوق منصة الإعدام التى كانت تتوسط الساحة، ويحيط بها كبار ضباط مصلحة السجون، وعدد من رجال الشرطة الذين ظهرت عليهم العصبية والقلق. عم المكان صمت رهيب، بينما المدعى العام يتلو قرار المحكمة الشرعية التى شكلها جعفر النميرى: (إنّ محمود محمد طه مرتد عن الدين ليس فقط ردة فكرية وإنما هو مرتد بالقول والفعل داعية إلى الكفر معارض لتحكيم كتاب الله). اقترب مدير السجن والمشرف على عملية الإعدام من طه، توسل إليه أن يعلن تخليه عن أفكاره همس الشيخ فى أذن المدير ثم نظر للحضور وابتسم، لم يسمع أحد ماذا قال.  سألوه بعدها إن كانت لديه أمنية أخيرة أومأ برأسه ورفض الحديث لفوا الحبل حول عنقه، وعلى شفتيه ابتسامة كبيرة واضحة، وانفتحت (الكوة) من تحت رجليه، ليتدلى جسمه إلى أسفل، وهو يرتجف للحظات ثم يتوقف، ليودع الدنيا الفانية. مدير السجن نظر فى ساعته بعد عدة دقائق، ثم أمر الطبيب زكى مصطفى الذى كان يقوم بتنفيذ أحكام قطع اليدين، وفق أحكام الشريعة، أن يكشف على جثة طه، ثم أمر بعدها بإنزال الجثمان وسـط صيحات الإسلاميين (الله أكبر). محمد محمود طه، من مواليد (١٩٠٩)، بدأ تعليمه بالدراسة بالخلوة، حيث درس القرآن وتعلم بعضًا من قواعد اللغة العربية، ولما أصبح شابًا تزوج من آمنة لطفى عبدالله قبل الأربعينيات، وأنجب منها أول أبنائه محمد (غرق فى النيل)، ثم محمد، وأسماء (رئيسة الحزب الجمهورى السودانى) وسمية. تخرج محمود فى العام ١٩٣٦م وعمل مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية، والتى كانت رئاستها بمدينة عطبرة، ثم اعتقل عام ١٩٤٦، لأنه انتقد الحضارة المادية الغربية ووصفها بالإفلاس، ودعا إلى مدنية جديدة يقيمها فى السودان تلف الإنسانية جمعاء، كما دعا إلى مقاومة الاستعمار والعصيان المدنى، ومدح الاشتراكية وعدالتها، وطالب بالديمقراطية، إلا أنه اشترط حدًا أدنى للتعليم للحصول على حق الانتخاب، وطالب بالمساواة بين المرأة والرجل والوحدة الإنسانية. عقب الإفراج عنه ظل منذ عام ٤٦ وحتى عام ١٩٥١ فى خلوة، وبعدها أعلن عن مجموعة من الأفكار الدينية والسياسية سماها (الفكرة الجمهورية). فى ١٨ نوفمبر ١٩٦٨م حوكم محمود بتهمة الردة أمام محكمة الاستئناف العليا الشرعية، لكنه رفض الامتثال لأمر الحضور للمحكمة، بتهمة ترك الصلاة والدعوة لترك الصيام، وقوله إن الزكاة والجهاد ليسا أصلًا فى الإسلام. أخرج الأستاذ الشيخ محمود محمد طه فى هذه الآونة كتاب «الرسالة الأولى للإسلام»، ثم «الرسالة الثانية للإسلام»، وكان مجموع أفكاره أنّ الآيات التى نزلت فى صدر الدعوة الإسلاميّة بمكّة تمثّل أصل القرآن. ففى هذه الآيات يبدو الإسلام دينًا متسامحًا ينبذ الإكراه، وهى الآيات التى بدأ بها النبى دعوته فى مكّة، ومثالها «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ». رأى طه، أن المدعوين إلى تلك الآيات كانوا أقلّ قامة من ذلك الخطاب المتسامح، فهم قد رفضوا الدعوة وحاربوها، وضيّقوا على الدعاة وعذّبوهم حتى الموت، وتآمروا على حياة النبى نفسه بالقتل، حتى اضطرّوه إلى الهجرة، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى آيات الفروع، وهى آيات الجهاد التى مثّلها «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ»، ثم كان الحديث النبوى «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله.».  استمر طه فى تطوير أفكاره حتى وصل إلى أنّ نسخ أصول القرآن بفروعه فى القرن السابع الميلادى لم يكن إلغاءً نهائيّا لأحكامه، وإنّما كان مجرد إرجاءٍ لتلك الأحكام لادّخارها للمستقبل، والسبب الذى يراه فى ذلك هو النزول عند حاجة ذلك المجتمع وطاقته، مشيرًا إلى أنّه لو كان النسخ نهائيّا لأصبح أحسن ما فى ديننا منسوخًا بما هو أقلّ منه، أى أنّ السماح وهو خير من الإكراه، يكون قد نُسخ إلى الأبد بحكم أقلّ منه، منبّها إلى نقطة مهمّة تفضى إلى أنّ الأحسن فى الشرائع ليس أحسنَ فى ذاته، وإنّما يُقاس بملاءمته لحاجة المجتمع وظرفه التاريخى، وهذا ما حدث بالنسبة إلى آيات الفروع التى نزلت فى المدينة، ونسخت آيات الأصول التى نزلت فى مكة نسخًا مؤقّتًا فرضه السياق التاريخى للقرن السابع الميلادى، بما لا يعنى تعميمه إلى الأبد خارج ذاك السياق، ولذلك فإنّ زماننا هو زمان بعث آيات الأصول، أى الآيات المكية حيث «لا إكراه فى الدين». سمّى طه هذا التصور المفضى إلى استعادة روح الآيات المكّيّة بـ«الرسالة الثانية من الإسلام»، وهى عنده الرسالة الأصل، وقد كتب طه مؤلّفًا حمل الاسم نفسه ضمّنه بضعة عناوين جاء من بينها «الجهاد ليس أصلا فى الإسلام»، و«عدم المساواة بين الرجال والنساء ليس أصلًا فى الإسلام»، و«الحجاب ليس أصلًا فى الإسلام»، و«تعدد الزوجات ليس أصلا فى الإسلام»، وبذلك ألقى الضوء على كثير من آيات الأحكام التى لم تعد مناسبة لمتطلبات العصر الحديث وتطوّر قيمه الروحية والجماليّة، قاصدًا من ذلك أن ينوّه بالطاقة الكامنة فى التشريع الإسلامى، والتى تستطيع أن تستوعب المتغيّرات الجديدة إذا تمّ بعث «الأصول» دون «الفروع» التى شكّلت شريعة القرن السابع الميلادي. كان طه يرى أنّ المخرج للأمة كامن فى الانتقال من نص فرعى فى القرآن خدم غرضه حتى استنفده، إلى نصّ أصلى ظل مرجأً ومدخرًا إلى حين وقت تطبيقه، وها هو قد حان وقته اليوم، بشرط أن نتحرّك من شريعة الفروع وفقهها نحو أحكام آيات الأصول المنسوخة. يقول طه: «إنّ الخلل ليس فى الدين، وإنما هو فى العقول التى لا يحرّكها مثل هذا التناقض لتدرك أنّ فى الأمر سرًّا، هذا السرّ هو ببساطة شديدة أنّ شريعتنا السلفية مرحلية، وأنها لا تستقيم مع قامة الحياة المعاصرة، وأنها حتى تستطيع استيعاب هذه الحياة وتوجيه طاقتها الكبيرة، لا بد لها من أن تتفق وتتطوّر وترتفع من فروع القرآن إلى أصوله». كما قال طه فى كتابه «أدب السالك» ص٨: «فالله تعالى إنما يعرف بخلقه، وخلقه ليسوا غيره وإنما هم هو فى تنزل. هم فعله ليس غيره وقمة الخلق وأكملهم فى الولاية هو الله وهو الإنسان الكامل، وهو صاحب مقام الاسم الأعظم (الله)، فالله اسم علم على الإنسان الكامل». التقط الإسلاميون السلفيون، والإخوان مثل هذه الكلمات، وقالوا إن طه يقول بحلول الله فى جسد الإنسان، كما قالوا فى نص محاكمته إنه دعا لترك الصوم، لأنه عندما سئل قال (أنا آكل وأشرب فى نهار رمضان، وأنا صائم بقلبى وهذا هو الصوم الأصيل، لا كصوم غير الأصيل، فليس المراد من الصوم الجوع والعطش، إنما هو صوم القلب). بعد أن أعلن الرئيس السودانى جعفر نميرى، تطبيق حدود الشريعة فى سبتمبر ١٩٨٣، قال طه بكل شجاعة، (إنها مخالفة للشريعة وللإسلام، وشوهت الشريعة، وشوهت الإسلام، ونفرت عنه يضاف إلى ذلك أنها وضعت واستغلت لإرهاب الشعب وسوقه إلى الاستكانة عن طريق إذلاله ثم إنها هددت وحدة البلاد). أصدر حزب طه الجمهورى منشورًا وزع فى أرجاء السودان، حمل عنوان «هذا أو الطوفان»، هاجم فيه «قوانين سبتمبر»، فلم يكن أمام النميرى ونظامه بديل عن إسكات هذا الصوت وإلى الأبد، فسارعت قوّاته بالقبض على الأستاذ وتقديمه مع أربعة آخرين من رفاقه إلى المحاكمة، لأنّه أصدر منشورًا عارض فيه «أمير المؤمنين»، وكان ساعتها قد أخذ البيعة من عدد من الجهات الرسمية فى السودان وعلى رأسها قضاة المحاكم والفقهاء، ومن بينهم الترابى. أحضروا قاضيا شابًا يسمى طه المكاشفى، أجرى محاكمة لطه فى ١٣ يومًا فقط، حكم عليه بالردة هو وأتباعه، وشنقهم حتى الموت، إلا إذا أعلنوا توبتهم علنًا. أفلتت أعصاب الرئيس النميرى وقتها بسبب المكالمات الكثيرة التى تلقاها من رؤساء دول وشخصيات دولية كبيرة تناشده الإبقاء على حياة شيخ وصل عمره لخمسة وسبعين عامًا، اتصل مبارك بالنميرى، وقال له: إن رؤساء دول أوروبية ومنظمات قد طلبت منه أن يتوسط للعفو عن الرجل. قبيل تنفيذ الحكم بأيام قليلة، استقبل النميرى فى قصره عددًا من سفراء دول عربية وأجنبية، وجاءوا كلهم يتوسطون فى إلغاء حكم الإعدام فى شيخ كل تهمته أنه قد اعتنق فكرًا وجاهر به. أُحبط النميرى بسبب كثرة التدخلات والواسطات الدولية، فقد كان يظن أن إعدام الشيخ سيكون كإعدام الشيوعيين عام ١٩٧١ ويمر مرور الكرام، حتى الرئيس الليبى معمر القذافى شن أيضًا هجومًا ضاريًا على النميرى واتهمه بأنه سلم مقاليد حكمه لمهووسين دينيًا لا يعرفون الله ولا رسوله.  وحتى يتفادى النميرى ما قد سيقع لاحقًا بعد إعدام الشيخ محمود، ومن ردود الأفعال العالمية، والسخط الشعبى عليه، قال إن قرار الإعدام لن ينفذ فى طه إذا أعلن صراحة وجهرًا تخليه عن فكره، وأنه أخطأ فى حق الإسلام. خرج النميرى على التلفاز السودانى يوم الإثنين ١٤ يناير ١٩٨٥، وقال (أنا اطلعت على كتب محمود محمد طه وقرأتها برفق وعناية، وتوصلت فى النهاية إلى أنه مرتد). انهالت الزيارات من شخصيات دولية وعربية وسودانية على الشيخ محمود فى زنزانته بسجن (كوبر) تدعوه للحفاظ على حياته، لكنه كان لا يرد مطلقًا ويكتفى بالابتسامة فى وجوههم. ضغط بعض رجال الدولة ومنهم مديرو القصر الرئاسى بدرية سليمان، وعوض الجيد، و أبوقرون، على أن يكون تنفيذ حكم الإعدام علنيًا بساحة السجن، بحضور قادة الأجهزة المدنية والعسكرية. ما إن أعلن عن ميعاد تنفيذ الحكم تليفزيونيًا، حتى اشتدت الزيارات المكثفة على سجن كوبر تدعو الأستاذ طه للعدول ظاهريًا عن أفكاره، لكنه أبى وكان يكتفى بالابتسامة فى وجوههم فقط.  قوات الشرطة فى الخرطوم فرضت حالة الطوارئ، كانت تفتش كل المداخل والمخارج فى الخرطوم، واحتلت المواقع المهمة والطرق الرئيسية المؤدية لسجن (كوبر). تم تنفيذ الإعدام يوم الجمعة ١٨ يناير ١٩٨٥، ورفض مدير السجن تسليم الجثمان لذويه، وقال إنها توجيهات عليا. قبل وفاة جعفر نميرى، شعر بخطئه فى إعدام محمود محمد طه، وقال: «الترابى هو من قال لى إن محمود محمد طه يريد أن يكوّن حلفًا مع اليسار ضدى، وقال لى إن الجمهوريين قوة لا يستهان بها، إذا اجتمعوا مع اليسار فإنى لا محالة هالك، فجاء قرار إعدامه، وحاول الجميع إثناء محمود عن آرائه، وتركت القرار دون توقيع لمدة يومين، وفى صباح اليوم الثالث ذهبت إليه بالملابس المدنية وقلت له يحزننى أن تموت، فقط تنازل عن آرائك، لكنه تحدث معى بطريقة ظننتها صلفًا، لكن الآن عرفت أنها كبرياء بدقائق الأمور، فقال لى تنازل أنت عن آرائك، أما أنا فأعلم أننى سأقتل، وإذا لم أقتل فى محاكمة علنية سيقتلنى الإخوان المسلمون سرًا اذهب يا نميرى واتركنى، أنا أعلم أننى سأموت». أما الترابى فله حديث قال فيه: «لا أستشعر أى حسرة على مقتله، فلا أستطيع أن أنفك لحظة واحدة حتى أصدر حكمًا بمعزل عن تدينى، وما دمت منفعلًا بدينى فإنى لا أستشعر أى حسرة على مقتل محمود». لكنه فى حديث آخر قال: «لم يكن بمستطاع أى أحد تحت حكم النميرى أن يعبر عن معارضته للسلطة، لقد عرفت محمود منذ زمن طويل، ولم أساند إعدامه، ولم أحضره، وكل الناس فى السودان كانوا يعلمون أن القضية سياسية بحتة».  طه قدم قراءة مغايرة للشريعة، واعترض على الأسلوب الذى تم به تطبيق أحكامها فى السودان، فاتهموه بالردة على الإسلام، وهى تهمة نفاها حتى النهاية، وقال إنه ليس مهرطقًا ومرتدًا عن الإسلام، وإنما مصلح دينى، ومؤمن وقف فى وجه التطبيق الوحشى للدين، فكان جزاؤه حبل المشنقة.

هذا الخبر منقول من : البوابه نيوز





اشتراك في قناه جون المصرى | Youtube


تنوية هام: الموقع غير مسئول عن صحة ومصداقية الخبر يتم نشره نقلاً عن مصادر صحفية أخرى، ومن ثم لا يتحمل أي مسئولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر. والموقع يقوم فقط بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية المصرية والعالمية لتقديم خدمة إخبارية متكاملة.

نصائح للاستثمار الأفضل.. هل شهادات البنك 15% أو 12% ..الذهب.. العقار أم الدولار..تحليل جون المصري
احصل عليه من app store تحميل تطبيق صوت المسيحي من علي app store احصل عليه من Google Play تحميل تطبيق صوت المسيحي من google play