تواضروس , في مقالٍ تاريخي ومكثف صاغه في العدد الأحدث من مجلة “الكرازة” الناطقة باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كشف قداسة البابا تواضروس الثاني تفاصيل رحلته الرعوية والمسكونية الاستثنائية التي شملت أربع دول أوروبية (تركيا، النمسا، إيطاليا، وكرواتيا) خلال الفترة من 25 أبريل إلى 13 مايو 2026. الرحلة التي رفعت شعار “خدمة ومحبة واعتقاد”، لم تكن مجرد جولة افتقاد تقليدية، بل حملت ملفات استراتيجية شديدة الأهمية، تنوعت بين تذليل عقبات الوحدة المسيحية عالمياً، ووضع ملامح مستقبل الأقباط في المهجر لثلاثة عقود قادمة.

1. من القسطنطينية إلى فيينا: خطوة تاريخية للوحدة المسيحية ومؤتمر “ملح ونور” للشباب
استهل البابا تواضروس مقاله بالحديث عن المحطة الأولى التي وصفها بالتاريخية في تركيا (إسطنبول – القسطنطينية القديمة)، حيث التقى للمرة الأولى على أرض هذا الكرسي العريق بالبطريرك المسكوني برثلميوس الأول. وهدفت الزيارة إلى ضخ دماء جديدة في عروق الحوار اللاهوتي بين الكنائس الشرقية القديمة والكنائس الشرقية (الروم الأرثوذكس)، باعتبارهما “جناحي العائلة الأرثوذكسية عالمياً”. وشهدت المحطة لقاءات روحية مع بطاركة الشرق هناك، بالإضافة إلى افتقاد رعايا الكنيسة القبطية من الشباب والأسر في تركيا.
أما المحطة الثانية، فكانت العاصمة النمساوية فيينا، والتي شهدت حراكاً شبابياً ودبلوماسياً واسعاً؛ حيث احتضنت مؤتمر الشباب القبطي تحت عنوان “ملح ونور” بمشاركة أكثر من 300 شاب وشابة من مختلف الإيبارشيات. وتوّج قداسة البابا هذه المحطة بإقامة القداس الإلهي في كنيسة “العذراء المنتصرة”، وهي الكنيسة التي أهدتها الكنيسة الكاثوليكية بالنمسا للأقباط قبل عشر سنوات، في مشهد يجسد عمق العلاقات المسكونية.

2. فينيسيا تكتب التاريخ: صلوات فوق قبر مارمرقس ورؤية كنسية للمهجر حتى عام 2050
أفرد البابا تواضروس مساحة خاصة في مقاله للمحطة الثالثة بمدينة فينيسيا (البندقية) الإيطالية، مؤكداً أنها شهدت حدثاً “تاريخياً بحق” بالتزامن مع اليوبيل الماسي (مرور 75 عاماً) على بدء هجرة الأقباط للخارج. هناك، انعقد المؤتمر الأول لإيبارشيات الكنيسة القبطية في المهجر بمشاركة واسعة من المطارنة والأساقفة، حيث عُقدت 6 ورش عمل مكثفة لمناقشة تحديات الخدمة وصياغة رؤية كنسية مستقبلية شاملة تمتد حتى عام 2050.
وفي لفتة روحية هزت مشاعر الأقباط حول العالم، قاد البابا تواضروس ومعه 30 من المطارنة والأساقفة صلوات تاريخية لأول مرة في الكاتدرائية القبطية بفينيسيا بالتزامن مع تذكار استشهاد مارمرقس الرسول. كما أُقيم قداس إلهي مهيب في “بازيليكا سان مارك” العريقة فوق قبر القديس مارمرقس (مؤسس الكنيسة القبطية)، متبوعاً بلقاء قمة روحي ومحبة مع بطريرك البندقية الكاثوليكي.

3. مفاجأة كرواتيا الأثرية: لقاءات رئاسية مع البابا تواضروس وقطعة رخام تكشف سر “مارمينا” قرب زغرب
اختتم البابا جولته الأوروبية بمحطة مدهشة شملت كرواتيا وسلوفينيا، بدأت بقداس إلهي حضره أكثر من 500 شاب قبطي من العاملين هناك. واتخذت الزيارة طابعاً رسمياً رفيع المستوى؛ حيث التقى البابا بكبار قادة الدولة الكرواتية، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء، ورئيس البرلمان، ووزير الخارجية، ومفتي كرواتيا.
وجاءت المفاجأة الكبرى خلال استقبال الرئيس الكرواتي “زوران” للبابا تواضروس، حيث استعرض الرئيس أمام الوفد القبطي قطعاً أثرية مسيحية نادرة جرى اكتشافها مؤخراً بالقرب من العاصمة “زغرب”. وكانت المفاجأة المدهشة التي أعلنها البابا هي وجود قطعة رخام أثرية من بين المكتشفات تحمل اسم القديس المصري “مارمينا العجائبي“، مما يؤكد المدى البعيد والعميق الذي وصل إليه التأثير الروحي القبطي في قارة أوروبا منذ القرون الأولى. واختتم البابا مقاله مؤكداً أن الغاية الاسمى للكنيسة ستظل دائماً تطبيق دعوة المسيح: “ليكون الجميع واحداً”.








