تواضروس , في أجواء روحانية ووطنية مهيبة، شهد مسرح الأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية احتفالية كبرى نظمها دير السيدة العذراء مريم (المُحرق)، بمناسبة عيد دخول السيد المسيح إلى أرض مصر، وهو الحدث التاريخي الذي تنفرد به الدولة المصرية دوناً عن سائر بلدان العالم. وجاء الإحتفال بحضور قداسة البابا تواضروس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وبمشاركه نخبه رفيعه المستوى من رجال الدولة، في مقدمتهم رئيس المحكمة الدستورية العليا، ووزيرا الطيران المدني والثقافة، ولفيف من المحافظين، والسفراء، وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، والرموز الإعلامية والفنية.

1. القدس الثانية في قلب القاهرة: البابا تواضروس يشهد ملحمة العرض الأول لفيلم “جبل قسقام”
انطلقت الفعاليات بعزف السلام الوطني لجمهورية مصر العربية، ليمتزج حب الوطن بالترانيم الروحية الشجية التي قدمها كورال إيبارشية دير المُحرق. وتضمن الحفل كلمات افتتاحية بليغة لكل من الأنبا بيجول، أسقف ورئيس الدير المُحرق، والأب الراهب رافائيل المُحرقي، تمحورت حول الأهمية التاريخية للدير الذي يقع بجبل قسقام في أسيوط. وكان الحدث الأبرز في الأمسية هو العرض الأول لفيلم «القدس الثانية»، والذي تلاه توقيع وثيقة تذكارية تؤرخ لهذا العمل الإبداعي الذي يستعرض محطات وتاريخ الدير العامر الذي عاشت فيه العائلة المقدسة لأكثر من ستة أشهر.

2. “عمار يا مصر”: البابا تواضروس يوضح الفارق بين حراسة الكنائس والآثار الفرعونية
وفي كلمة قداسته التى إتسمت بالعمق والمحبه ، أعرب البابا عن سعادته البالغة بهذا الاحتفال الذي يوافق الأول من يونيو (24 بشنس في التقويم القبطي)، مؤكداً أن مصر نالت خصوصية ومكانة فريدة؛ إذ لم تدخر العائلة المقدسة جهداً في العيش على أرضها وتباركت خطواتها بـ 25 محطة تاريخية. وأوضح قداسته المعنى الشعبي الدارج “عمار يا مصر”، مشيراً إلى أن هذا العمار نابع من بركة النعمة والتاريخ والزيارة المقدسة التي جعلت من هذه الأرض حصناً محروساً عبر العصور.
وفجر قداسته مقارنة تاريخية لافتة حول كيفية الحفاظ على هذا الإرث، موضحاً أن مسار العائلة المقدسة ظل محفوظاً وصامداً طوال القرون الماضية ليس بفعل الحجارة، وإنما بفضل “الحراسة الحية” من الآباء الرهبان والكهنة الذين سكنوا تلك المواضع وعمّروها جيلاً بعد جيل. وأضاف البابا أن هذا الأمر يختلف تماماً عن الآثار الفرعونية العظيمة التي لم يسكنها أحد ليحرسها، بينما صفحات التراث المسيحي بقيت حية تنبض بالحياة، ويسلمها الأجداد للآباء ثم للأبناء كإرث وطني إنساني مشترك.

3. عاصمه الرهبنه العالميه: دعوة مفتوحة للسياح الأجانب لزيارة أديرة مصر العريقة
ولم يفت قداسته الإشارة إلى الدور الحضاري لمصر في صياغة الوجدان الديني العالمي، مذكّراً الحضور بأن الرهبنة في الأصل بدأت وانطلقت من قلب الصعيد المصري على يد القديس الأنبا أنطونيوس، وهو أول راهب في التاريخ وأب لجميع رهبان العالم، ومن مصر انتشر هذا الفكر الروحي إلى المشرق والمغرب. ووصف البابا الدير المحرق بأنه واجهة عريقة وصرح تراثي عظيم يضم المذبح المقدس الذي دُشن بيد السيد المسيح نفسه، معتبراً هذا التراث ملكاً وفخراً لكل مواطن مصري وليس للأقباط وحدهم.
واختتم البابا كلمته بتوجيه دعوة مفتوحة لكافة السياح الأجانب الذين يزورون مصر بضرورة وضع الأديرة المصرية—التي يعود بعضها إلى القرن الرابع الميلادي—على خارطة زياراتهم، نظراً لما تحمله من صفحات وطنية وتراثية وتاريخية بالغة الأهمية. وشهدت نهاية الاحتفالية لفتة طيبة حيث قام قداسة البابا بتكريم وتوزيع الدروع على عدد من الشخصيات البارزة والقائمين على إنجاح هذا العمل الفني والوثائقي الضخم، وسط إشادة واسعة بتضافر الجهود الرسمية والكنيسة لإحياء مسار رحلة العائلة المقدسة وتحويله إلى مزار سياحي عالمي.








