أقدم بردية حول الرحلة المباركة.. تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر وحول العالم اليوم بذكرى دخول العائلة المقدسة ، وهو احتفال تتميز به مصر عن باقي دول العالم. بمناسبة هذا العيد المميز، نلقي الضوء على واحدة من أقدم البرديات التي وثّقت رحلة العائلة المقدسة أثناء إقامتها في مصر.

قصة أقدم بردية حول رحلة العائلة المقدسة إلى أرض مصر
في عام 1998، قامت عالمة الآثار “جيزا شنكل”، ابنة عالم القبطيات الألماني الشهير “شنكل”، بنشر أقدم بردية تاريخية محفوظة في إحدى مكتبات جامعة كولونيا بألمانيا. وأشارت إلى أن هذه البردية تؤكد أن مصر حظيت بالبركة خلال زيارة العائلة المقدسة، وأن شهر “بشنس” هو الشهر الأكثر بركة على مدار العام.
ولهذا السبب، تحتفل الكنيسة القبطية بذكرى دخول العائلة في اليوم الرابع والعشرين من هذا الشهر، الذي يوافق الأول من يونيو سنويًا. وتعد البردية التي تم نشرها لأول مرة مرجعًا أثريًا يعود للقرن الرابع الميلادي، حيث تسلط الضوء على فترة إقامة المسيح و العائلة المقدسة في مصر، والتي امتدت ثلاث سنوات وأحد عشر شهرًا. وكانت تلك الفترة محط خلاف بين العلماء، إذ قدرها البعض بعام واحد بينما ذهب آخرون لتقديرها بفترة أطول.

أقدم بردية مكتوبة باللهجة القبطية الفيومية
وترجع تسميتها إلى منطقة الفيوم. يبلغ طول البردية 31.5 سم وعرضها 8.4 سم، لكنها تعاني من تآكل في بعض أجزائها. وتُعد هذه الوثيقة التاريخية قيمة نظرًا لأنها لا تقتصر فقط على الحديث عن فترة إقامة المسيح، بل تسلط الضوء أيضًا على مكانة مصر وخصائصها الفريدة، وتمدح نيلها الذي قيل إنه لن ينضب أبدًا وثمارها التي وصفت بأنها الأطيب في العالم.
تحليل البردية
قام الأنبا ديمتريوس، مطران إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين والمتخصص في اللغة القبطية، بدراسة وتحليل هذه البردية بشكل دقيق. وأوضح أن البردية تتكون من شريطين رقيقين: الأول مكتوب عليه نص واحد فقط، بينما الثاني مكتوب من الجهتين. وقد أشار إلى أن الخط المستخدم يعود إلى القرن الرابع أو الخامس الميلادي، وهو معروف في الوثائق القديمة.

حسب تحقيق الأنبا ديمتريوس، يمكن تقسيم النص الموجود في البردية إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
1. القسم الأول يتحدث عن ترتيب الأحداث العظيمة التي ستقود مصر إلى حكم الأمم وتأكيد خصوبتها عبر وفرة مياهها.
2. القسم الثاني يتنبأ بحلول بعض الاضطرابات قبل أن تشهد البلاد فوضى عامة.
3. القسم الثالث يحتفي بقوة ومجد مصر الجديد القائم على الإيمان والمحبة، ويشير إلى زمن الشهداء ويسرد نبؤاتًا تضمنت إشارات عن الشمس والمزروعات البديعة التي ستزدهر في مصر.
محتوى البردية
تُظهر البردية تقديرًا عميقًا لمكانة مصر التاريخية والروحية، حتى أنها تصفها بأنها “أعظم أرض في العالم”. كما تحمل النصوص فيها لمسات واضحة من التعابير الروحية والدينية المعاصرة لفترة ازدهار الرهبنة القبطية في القرن الرابع الميلادي. وزُرعت النصوص بمقتطفات من المزامير وبعض الحكم والعِبَر مثل أن الحرمان من الحقوق يؤدي إلى الفوضى والهلاك. علاوة على ذلك، تُذكر نصوص البردية بشارة عظيمة لأرض مصر بأنها ستظل قوية ومثمرة، وأنها ستصبح مهدًا للإيمان الجديد.
يعتقد الأنبا ديمتريوس أن كاتب النص كان راهبًا استلهم كتاباته الروحية والدينية من ممارسات في الأديرة والكنائس آنذاك. ويبدو أن الكاتب قد جمع بين المادة اللاهوتية والتاريخية ببعض الإضافات الفلكلورية بهدف تسليط الضوء على عظمة مصر وإبراز مكانتها الخاصة.
أبعاد البردية وأهميتها
أوضح الأنبا ديمتريوس أن الشريطين الخاصين بالبردية يتميزان بأبعاد متقاربة إذ يبلغ طول الشريحيتين الأولى والثانية نحو 31.5 سم بعرض 8.7 سم و8.4 سم على التوالي. ويعتقد البعض أن هذه الوثيقة قد صُممت لتُستخدم كتميمة أو حجاب محمول بسهولة.
وفي ختام تحليله، شكر الأنبا ديمتريوس فريق البحث الذي ساهم في الكشف عن هذه الذخ









