ماكرون , في لحظة فارقة وصفت بأنها “تصحيح لمسار التاريخ”، وقع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على تشريع ثوري ينهي عقوداً من الجدل القانوني والسياسي حول الآثار المصرية والأفريقية المستقرة في المتاحف الفرنسية. هذا القرار، الذي جاء من قلب مدينة الإسكندرية العريقة، لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل هو بمثابة “جسر جوي” ثقافي جديد سيعيد القطع الأثرية التي خرجت في ظروف استعمارية غير عادلة إلى موطنها الأصلي، ليعلن بذلك انتهاء حقبة “احتجاز الهوية” خلف واجهات العرض الزجاجية في باريس.

تفكيك “جدار البيروقراطية”: مرسوم رئاسي من ماكرون ينهي زمن الانتظار
لسنوات طويلة، تحججت الحكومات الفرنسية المتعاقبة بمبدأ “عدم جواز التصرف في الملك العام” لمنع إعادة الآثار إلى أصحابها، حيث كان استرداد أي قطعة يتطلب معركة برلمانية لاستصدار قانون خاص بها. لكن التشريع الجديد الذي اعتمده ماكرون أحدث اختراقاً قانونياً غير مسبوق؛ إذ بات بإمكان الحكومة الفرنسية إخراج القطع الثقافية من ملكية الدولة بـ “مرسوم” بسيط ومباشر.
هذا التحول الجذري يعني أن الطريق بات ممهداً أمام آلاف القطع الفنية والمقتنيات التاريخية التي نُهبت أو نُقلت بطرق غير مشروعة خلال الفترة ما بين عامي 1815 و1972 للعودة إلى ديارها. ولم يعد الأمر مرهوناً بموافقات برلمانية معقدة، بل بقرار سياسي يعترف بحق الشعوب في امتلاك تراثها وتاريخها.

من “واغادوغو” إلى “الإسكندرية”: 9 سنوات من المخاض لولادة الوعد
هذا القرار التاريخي لم يولد من فراغ، بل هو نتاج وعد قطعه ماكرون على نفسه منذ عام 2017 في خطابه الشهير بجامعة “واغادوغو”، حين صرح بجرأة أن “التراث الأفريقي لا يمكن أن يكون سجيناً في المجموعات الخاصة والمتاحف الأوروبية“. ورغم أن تنفيذ هذا الوعد استغرق نحو 9 سنوات من الصراعات البرلمانية والعقبات القانونية، إلا أن المصادقة عليه بالإجماع مؤخراً تعكس تغيراً جوهرياً في العقلية الفرنسية تجاه إرثها الاستعماري.
إن اختيار مدينة الإسكندرية، تزامناً مع افتتاح المقر الجديد لجامعة “سنجور”، لإعلان تفعيل هذا القانون، يحمل دلالة رمزية عميقة؛ فهي رسالة تقدير لمصر ومركزها الثقافي، وتأكيد على أن فرنسا جادة في فتح صفحة جديدة من التعاون القائم على الاحترام المتبادل واستعادة الحقوق المسلوبة.

زلزال يضرب متاحف أوروبا: هل تحذو لندن وبرلين حذو باريس؟
لا تتوقف أصداء هذا القانون عند حدود مصر وفرنسا، بل يمتد أثره ليشمل عشرات الدول العربية والأفريقية التي تنتظر استعادة كنوزها. هذا القرار يضع المتاحف الكبرى في العالم، مثل المتحف البريطاني ومتاحف برلين، في موقف محرج أمام المجتمع الدولي؛ فبينما اتخذت باريس خطوة شجاعة لرد المظالم التاريخية، تظل هذه المتاحف متمسكة بقطع أثرية يطالب بها أصحابها الأصليون ليل نهار.
القانون الفرنسي الجديد فتح الباب على مصراعيه لمطالبات واسعة، ويتوقع الخبراء أن يشهد العام الجاري حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لاستعادة قطع نادرة لا تقدر بثمن. فالتاريخ اليوم لم يعد يُكتب بيد القوى الاستعمارية وحدها، بل يُعاد ترميمه بقرار شجاع يعيد لكل ذي حق حقه، ويجعل من المتاحف جسوراً للتواصل لا حصوناً للكنوز المنهوبة.








