السيسي , في توقيت تلاشت فيه الحدود الفاصلة بين جبهات القتال، جاءت جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي الخاطفة للإمارات وقطر لتضع النقاط على الحروف في أخطر أزمة أمنية تواجه الإقليم. لم تكن الزيارة مجرد بروتوكول، بل كانت “غرفة عمليات” دبلوماسية استباقية لمواجهة تساقط الصواريخ الإيرانية على منشآت الطاقة، وتأكيداً على أن أمن “رأس لفان” و”أبوظبي” هو الامتداد المباشر لأمن “قناة السويس”.

1. نظرية “الأمن المتصل”: لماذا تحركت القاهرة الآن؟
تدرك الدولة المصرية أن أي اهتزاز في استقرار مضيق هرمز سيتبعه فوراً زلزال في البحر الأحمر. التحرك المصري الأخير استند إلى نظرية “الأمن المتصل”؛ فتعطيل تدفقات النفط الخليجي يعني شللاً في حركة الملاحة الدولية، وهو ما يضرب شريان الاقتصاد المصري (قناة السويس) في مقتل.
لذا، جاء خطاب القاهرة حاسماً: “دول الخليج ليست صندوق بريد للرسائل الإيرانية-الأمريكية”. وبحسب تقارير مراكز الأبحاث الدولية، فإن انخراط مصر في “مربع العمليات” يهدف لتشكيل جبهة ردع عربية صلبة (مصر، السعودية، الإمارات) تمنع تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات دولية، خاصة بعد اعتماد طهران تكتيك “المسيرات الانتحارية” لضرب العمق الخليجي.

2. القرن الإفريقي والتحالف الثلاثي: تحصين الجبهة الخلفية
لم تقتصر المباحثات في أبوظبي على نيران الخليج فقط، بل امتدت لتشمل تأمين “البوابة الخلفية” للبحر الأحمر. وتكشف التحليلات عن تنسيق مصري-سعودي-إماراتي رفيع المستوى لملء فراغ الفوضى في القرن الإفريقي، وتحديداً في الصومال.
هناك بوادر لتشكيل “تحالف أمني ثلاثي” يضم (مصر، السعودية، الصومال) يهدف لتأمين ممر باب المندب ومواجهة التمدد الإيراني في تلك المنطقة الاستراتيجية. هذا التنسيق ينهي أي تباينات سابقة في الملفات الإقليمية، ويؤكد أن المصالح الوجودية الحالية تفرض اصطفافاً يتجاوز القراءات السطحية للاختلافات السياسية.

3. الدبلوماسية “الخشنة” والوساطة الصادقة: هل تملك مصر المفاتيح؟
بينما تشهر القاهرة لغة الحسم العسكري، فإنها لا تغلق أبواب السياسة. كشف البيان الرئاسي عن توجيه رسالة “مباشرة وحازمة” لطهران بضرورة تحييد الخليج عن الصراع. وهنا تظهر عبقرية الدور المصري كـ “وسيط موثوق” يمتلك خطوط اتصال مفتوحة مع الجميع، بما في ذلك طهران وواشنطن.
الدور المصري الحالي يتجاوز مجرد التضامن؛ فهو يسعى لهندسة “مخرج دبلوماسي” شامل يعيد الاستقرار لمضيق هرمز، مستنداً إلى قوة اقتصادية وعسكرية متنامية وشراكات استراتيجية تجعل من الاستثمارات الخليجية في مصر “استثمارات في صمود الدولة” وقدرتها على فرض الخطوط الحمراء.






