تواضروس ’ في الوقت الذي يتجه فيه الاهتمام الشعبي نحو المواد والنصوص الجامدة لقانون الأحوال الشخصية الجديد للمسيحيين، اختار البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أن يفتح ملفاً أكثر أهمية؛ وهو “وعي الإنسان” قبل “قوة القانون”. ففي حديثه الأخير عبر قناة “CTV”، أكد قداسته أن التشريعات مهما بلغت دقتها لا يمكنها وحدها أن تبني بيتاً مستقراً إذا غاب عنها ركن الزاوية: الاختيار السليم.

فلسفة الاختيار: الكنيسة من الوعظ الروحي إلى “التأهيل النفسي”
أوضح البابا تواضروس أن الكنيسة لم تعد تكتفي بالبركة الروحية لإتمام الزواج، بل تحولت إلى مؤسسة تربوية تسعى لإعداد الشباب لمواجهة الواقع. وأشار إلى أن “كليات المشورة” والدورات التدريبية للمقبلين على الزواج باتت ضرورة تفرضها تعقيدات الحياة الحديثة.
الهدف ليس مجرد إتمام الطقس، بل مساعدة الشاب والفتاة على فهم “سيكولوجية الطرف الآخر”. ولم يغفل البابا أهمية المتابعة بعد الزفاف، خاصة في السنة الأولى، التي وصفها بأنها “عنق الزجاجة” وأصعب مراحل التكيف، حيث يحتاج الزوجان فيها إلى نضج حقيقي لاكتساب خبرة العيش المشترك تحت سقف واحد.

المشورة الطبية والنفسية: الفحص الذي يسبق “الارتباط الأبدي”
لفت البابا تواضروس الانتباه إلى أن الكنيسة كانت سباقة في المطالبة بالفحوصات الطبية الدقيقة قبل الخطوبة، وهي الرؤية التي تبنتها الدولة لاحقاً بشكل أوسع. لكن قداسته أضاف بُعداً جديداً يتجاوز الفحص البدني، وهو “المشورة النفسية”.
فالكثير من الأزمات التي تظهر بعد سنوات من الزواج وتؤدي إلى طريق مسدود في المحاكم، كان يمكن تداركها لو خضع الطرفان لتقييم نفسي حقيقي قبل الزواج. وأكد البابا أن الدخول في علاقة زوجية دون استعداد نفسي كافٍ هو “مقامرة” بمستقبل الأسرة، مشدداً على أن المصارحة والمكاشفة النفسية تمنع انفجار الأزمات في المستقبل.

مايراه البابا تواضروس: القانون “علاج” والاختيار هو “الوقاية”
في ختام رؤيته، وضع البابا تواضروس النقاط على الحروف فيما يخص الجدل الدائر؛ فالقانون الجديد جاء ليحل التعقيدات ويحمي الحقوق، لكنه ليس “عصا سحرية” للسعادة. السعادة الزوجية في منظور البابا تبدأ من “التروي” قبل قول كلمة “نعم”.
وجه قداسته رسالة مباشرة للشباب بضرورة التفكير العميق وعدم الانسياق وراء العواطف اللحظية، معتبراً أن اختيار شريك الحياة هو أهم قرار يتخذه الإنسان في حياته، وهو الركيزة الأساسية التي تجعلنا في غنى عن اللجوء للقوانين أو منصات القضاء. إنها دعوة للعودة إلى الجوهر: أسرة تُبنى على الصدق، تُحمى بالوعي، وتستمر بالحب الناضج.








