تواضروس , من قلب الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية، وفي أجواء إيمانية غلفتها رائحة الزعف وتسابيح الفرح، ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، عظة “أحد الشعانين” لعام 2026. لم تكن مجرد كلمات طقسية، بل كانت دعوة عميقة لمراجعة النفس وتجديد العهد مع الله، في يوم وصفه قداسته بأنه “أحد فريد” يجمع بين فرح الاستقبال وهيبة الاستعداد لأسبوع الآلام.

أسرار الطقس: لماذا يُعد “أحد الشعانين” يوماً استثنائياً في الكنيسة؟
كشف قداسة البابا عن الثلاثية التي تمنح هذا اليوم خصوصيته الكنسية؛ بدأت بـ “دورة الشعانين” التي تجوب الكنيسة لتقف أمام 12 أيقونة، في مشهد يربط الأرض بالسماء ويجمع بين نبوات العهد القديم وبشائر العهد الجديد. ثم تأتي قراءات الإنجيل التي توثق دخول المسيح إلى أورشليم ملكاً للسلام.
أما العلامة الثالثة والأكثر تأثيراً، فهي طقس “الجناز العام”؛ وهو الإجراء الذي تتخذه الكنيسة لتعلن تفرغها التام طوال أسبوع الآلام لمشاركة المسيح أوجاعه، فلا ينشغل المؤمنون بأي طقوس جنائزية أخرى، بل يغمرون أرواحهم في تأمل آلام المخلص.

ثلاث رسائل للبابا تواضروس من أورشليم إلى العالم: المشاركة، البساطة، والتسبيح
لم يكتفِ قداسته بسرد الأحداث التاريخية، بل استنبط منها ثلاثة دروس حيوية تمس حياتنا المعاصرة:
المشاركة: حيث أكد أن خروج الكبار والصغار لاستقبال المسيح يعلمنا ضرورة زرع البذرة الروحية في قلوب أطفالنا منذ الصغر.
البساطة: في لفتة واقعية، ربط البابا بين دخول المسيح المتواضع ودعوتنا اليوم لتبني “ثقافة الاعتدال”. وشدد على أهمية الابتعاد عن الاستهلاك المفرط وترشيد الموارد، خاصة في ظل الأزمات العالمية التي تضرب كوكبنا.
التسبيح: أوضح أن صرخة “أوصنا” هي استغاثة لطلب الخلاص، داعياً المؤمنين أن يكون تسبيحهم نابعاً من عمق القلب وليس مجرد كلمات ترددها الشفاه.

دعوة للسلام: تحويل “الأخبار المؤلمة” إلى صلوات مستجابة
وفي ختام العظة، لامس البابا جراح الواقع العالمي، موجهاً دعوة حارة للصلاة من أجل العالم الذي تنهكه الصراعات والآلام. وطالب قداسته كل مؤمن بأن يحول أي خبر مؤلم يسمعه أو يقرأه إلى “مشروع صلاة” من أجل المتألمين والمهمشين والضحايا، مؤكداً أن الصلاة هي السلاح الوحيد القادر على صنع المعجزات في زمن الشدة.
واختتم البابا كلمته بالتأكيد على أن “أحد الشعانين” هو بوابة العبور إلى رحلة روحية مكثفة، تبدأ بآلام الصليب وتنتهي بفجر القيامة، متمنياً للجميع قلباً نقياً وإيماناً حياً قادراً على مواجهة تحديات العصر.








