تواضروس , مع دقات أجراس “جمعة ختام الصوم”، وفي رحاب دير الأنبا بيشوي العامر، رسم قداسة البابا تواضروس الثاني خارطة طريق روحية للمؤمنين، معلناً نهاية رحلة الـ 47 يوماً، وممهداً الطريق للدخول إلى “أقدس أيام السنة”. لم تكن العظة مجرد طقس كنسي، بل كانت دعوة للمكاشفة والمواجهة مع النفس قبل الانخراط في أحداث أسبوع الآلام.

سر “المسحة”: طاقة شفاء للروح والجسد
في هذا اليوم الفريد، توقفت الكنيسة عند طقس “القنديل العام” أو سر مسحة المرضى. وأوضح قداسة البابا أن الكنيسة، في حكمة روحية عميقة، تضع هذا السر في نهاية الصوم لتؤكد أن الإنسان يحتاج إلى “ترميم” شامل قبل الدخول في رحلة الصلب والقيامة.
إن مسحة الزيت ليست مجرد إجراء طقسي، بل هي ممارسة تهدف لشفاء الإنسان في أبعاده الثلاثة: النفسية، والروحية، والجسدية. فالمؤمن يحتاج إلى فكر مقدس، وكلام نقي، وعمل طاهر، وهو ما يرمز إليه الدهن بالزيت الذي يكرس الحواس بالكامل لله، ليكون القلب مستعداً لاستيعاب عمق المحبة والتضحية التي تتجلى في أسبوع الآلام.

“العناد الروحي”: الخطية التي تسرق ثمار الصوم
بلهجة الأب الحريص، وضع البابا إصبعه على “الجرح الروحي” الذي قد يفسد تعب الأيام الماضية، وهو خطية “العناد”. مستشهداً بصرخة السيد المسيح المؤثرة: “كم مرة أردت ولم تريدوا”. اعتبر قداسته أن هذه العبارة هي أصعب مواجهة بين الإرادة الإلهية التي تسعى للخلاص، والإرادة البشرية التي تختار الانغلاق.
وحذر البابا من أن “العناد” هو السد المنيع الذي يعطل عمل النعمة، مشدداً على ضرورة ألا يخرج المؤمن من صومه وهو لا يزال متمسكاً بقساوة القلب أو رفض النصيحة. فالعناد في محيط الأسرة، أو العمل، أو في العلاقة مع الله، يحول دون التغيير الحقيقي ويجعل الصوم مجرد تغيير في نوع الطعام بدلاً من أن يكون تغييراً في نوعية الحياة.

نداء البابا تواضروس للتغيير: كيف نستعد لفرح القيامة؟
وجه قداسة البابا دعوة حارة لكل مؤمن ليكون “صياداً للرسائل الإلهية”. فالله يتحدث إلينا يومياً من خلال كلمة في الإنجيل، أو موقف حياتي عابر، أو نصيحة من محب. تجاهل هذه الرسائل هو إهمال لفرص الخلاص.
وشدد قداسته على أن الاستعداد الحقيقي لأسبوع الآلام لا يتمثل في المظاهر الخارجية، بل في:
توافق الإرادة: أن يتدرب الإنسان على قول “لتكن مشيئتك” بصدق.
سلام القلب: نبذ الخلافات والوحدة مع الآخرين بعيداً عن مسببات الانقسام.
الحساسية الروحية: أن يدخل المؤمن أسبوع الآلام بقلب “رهيف” يتأثر بآلام المسيح ويستعد بجدية لفرح قيامته.
اختتم البابا رسالته بالتأكيد على أن الكنيسة هي الأم التي تقود أبناءها نحو الاستقامة، داعياً الجميع لاغتنام هذه اللحظات الفاصلة لتجديد العهود، لكي نصل إلى فجر القيامة بقلوب متجددة وحياة تليق بمحبة المسيح الفائقة.








