سيرة أبونا صموئيل زكريا السائح.. ولد في 22 أكتوبر 1948 بمنطقة الوليدية في محافظة أسيوط، ونشأ في عائلة تقيّة اشتهرت بالمحبة والعطاء واستقبال الضيوف الغرباء. كانت أُسرتُه تُحرص على الاجتماع مساءً للصلاة وقراءة الإنجيل، ولهذا السبب أُطلق على العائلة لقب “القسيس”، إذ قدمت للمسيح حوالي سبعين كاهناً وراهباً.
الكاهن الرائيى
مع مرور الزمن، انتقلت الأسرة إلى مدينة ملوي بمحافظة المنيا، حيث أكمل دراسته بكلية الهندسة حتى تخرج وعمل مهندسًا بهيئة المساحة. لاحقًا، انتقلوا إلى منيا القمح بمحافظة الشرقية، وبدأت رحلة خدمته الروحية في كنيسة مارجرجس، حيث تدرج في الخدمة حتى أصبح أمين عام التربية الكنسية.
كان أب اعترافه مثلث الرحمات الأنبا مكسيموس مطران القليوبية الذي تنبأ بسيامته كاهناً قائلاً: “زرعُك سيكون كثيراً”. كما شهد لقاءه مع البابا كيرلس السادس أثناء حضور قداس في الكنيسة المعلقة بمصر القديمة، إذ قال له البابا بعد رش الماء: “أنت ستكون بركة كبيرة”.

معلومات عن أبونا صموئيل زكريا السائح
تزوج من السيدة وداد عطالله وأنجب منها طفلين: ريمون وبيشوي، وابنتين هما نيفين وفيفيان. وعلى الرغم من أن دعوته للكهنوت عُرضت عليه مرتين عام 1979، إلا أنه وزوجته رفضا حينها. لكنه تخلى أخيرًا عن التردد وتمت سيامته كاهناً في 2 أبريل 1989 بعد موافقة زوجته على يد المتنيِّح الأنبا ياكوبوس أسقف الزقازيق. ويُقال إن يوم سيامته كان أكثر يوم بكى فيه من شدة التأثر.
وخلال قداس رسامته، وقف أبونا صموئيل زكريا أمام أيقونة السيد المسيح بالهيكل الشرقي قائلاً: “يا رب، أوصيك على أولادي بالجسد لأنهم ما زالوا صغارًا ويحتاجون إلى رعاية. تكون أنت أمينًا معهم، وسأكون أنا أمينًا مع أولادك.” وبحسب قوله، سمع صوتًا يطمئنه قائلاً: “سأكون أميناً معك ومعهم”.
بعد سيامته، قضى فترة الأربعين المقدسة في دير البرموس بوادي النطرون. وكان يتمتع بعلاقة روحية وثيقة مع رئيس الملائكة ميخائيل؛ ومن الأمثلة على ذلك عندما طلب شراء لفائف جديدة للكنيسة ورفضت اللجنة المعنية ذلك، فأصابه الحزن حتى ظهر له رئيس الملائكة وقال له إنه سوف يجد ما يحتاجه في الكنيسة. وفي اليوم التالي، وجد حقيبة تحتوي على طقم لفائف جديد تحت الصورة المعلقة لرئيس الملائكة.

بداية خدمة أبونا صموئيل زكريا السائح
بدأ أبونا صموئيل زكريا السائح خدمته بالرعاية والافتقاد، واستقطب الشعب حوله بحرصه على الصلاة اليومية وصلاة القداس الإلهي. كان أول من يحضر الكنيسة وأولى أهمية خاصة لتعليم مدارس الأحد وتنظيم الخدمات الكنسية. أسس العديد من الاجتماعات التي أثرت على حياة الكنيسة مثل اجتماع دراسة الكتاب المقدس واجتماعات خاصة بالشباب والسيدات والاجتماع العام يوم الجمعة. كما حرص على زيارة المرضى والرعاية المنزلية للأسر المتغيبة أسبوعياً.
عمل الأب صموئيل على تطوير الكنيسة بشكل كبير، حيث أعاد بنائها وأضاف مرافق جديدة مثل استراحة للضيوف، بيت للخلوة للشباب والفتيات، مستشفى ومزرعة خاصة بالكنيسة. كانت الكنيسة محظوظة بتكرار ظهورات رئيس الملائكة الجليل ميخائيل فيها، مما جعلها تجذب الزائرين من كل أنحاء الجمهورية لطلب البركة.
كانت حياته مليئة بالحكايات الروحية، منها تلك الليالي التي كان يُضيء فيها نور عجيب غرفته ويتردد فيها ظهورات للسيدة العذراء مريم والملاك ميخائيل وحتى شخصيات مثل الأنبا مكاريوس أسقف قنا. يُذكر أنّه إذا تأخر في الاستيقاظ صباحاً كان رئيس الملائكة يوقظه بنقر سريره.

أبونا صموئيل زكريا السائح وأبرز هذه القصص الحية
حدثت أثناء إجراء عملية جراحية للأب صموئيل عندما تعرض لنزيف مفاجئ؛ ظهرت له السيدة العذراء وتوقّف النزيف بشكل مفاجئ مما أثار تعجب الأطباء حينها. كما كان يتواصل مع الآباء السواح روحياً ويتشارك معهم الصلوات، وقيل إنه كان يصلي معهم قداسات خاصة.
كان أبونا صموئيل مثالًا حيًا للإخلاص والخدمة المتفانية. امتلك قدرة استثنائية على الاستماع للآخرين وحل مشاكلهم دون ملل أو كلل، مقدمًا مشورة حكيمة أُعطيها بفضل ما وهبه الله من موهبة الحكمة والتمييز. كما أنه كان دائم السعي لتحقيق السلام بين الجميع والسعي لمصالحة المختلفين ولم شمل الأسر المتشتتة.
حبّه الكبير للصلاة كان جزءًا جوهريًا من حياته؛ إذ لم يكن يبدأ يومه أو ينهيه دون أن يرفع طلباته إلى الله. حتى بعد يوم عمل طويل ومرهق في خدمة أبناء الكنيسة بالزيارات أو الاتصالات الهاتفية، كان يُخصص وقتًا لتسبيح الله في منزله حتى قبيل الفجر، لينام بعدها ساعات قليلة قبل أن يستعد لصلاة القداس في الصباح.
نال رتبة القمصية في 28 نوفمبر 2011 بتتويج الأنبا تيموثاوس، أسقف الزقازيق. وقد بارك الله حياته بمنحه موهبة إخراج الشياطين، وهو أمر جعله عرضةً لهجمات شديدة من الأرواح الشريرة. لكنه كان يحمل إيمانًا وثقة عالية بأن الشياطين لا تستطيع الإضرار به إلا بسماحٍ إلهي، وكان يعتمد على قوة إيمانه لتجاوز كل تلك الحروب الروحية بقوة وصمود.
أبونا صموئيل زكريا السائح يمتلك موهبة شفافية نادرة
كان أيضًا يمتلك موهبة شفافية نادرة؛ إذ كان يستطيع قراءة حياة الأشخاص ككتاب مفتوح بمجرد أن يضع الصليب على رؤوسهم. وكانت نصائحه للمرضى دقيقة جدًا، لدرجة أنه كان يحدد مكان الألم بدقة وينصحهم بالتوجه إلى التخصص الطبي المناسب كما لو كان طبيبًا بنفسه.
على المستوى الأسري، كان يهتم أشد الاهتمام بخلاص نفوس أفراد عائلته. حيث ربّى أبناءه الأربعة على حياة الصلاة والصوم والالتزام الروحي. كان يعقد جلسات صلاة يومية صباحًا قبل توجههم للمدارس ومساءً قبل النوم، كما اهتم بتحفيظهم الترانيم والألحان، وبمرافقتهم في جوانب حياتهم العملية والدراسية.
ورغم تحديات المرض التي واجهها خاصة مع إصابته بألم شديد ومشكلات صحية مرتبطة بالبروستاتا، ظل صابرًا وشاكرًا. وقد ظهر له الملاك ميخائيل ليُخبره بأن صليبه المرضي هو لتكثيف أكاليله السماوية، مما جعله يقبل آلامه بفرح وسكينة.
في إحدى الرحلات إلى أمريكا، واجه تحديًا صحيًا خطيرًا، إذ قرر الأطباء إجراء عملية استئصال للبروستاتا بسبب ورم سرطاني مُشتبه به. لكن في الليلة التي سبقت العملية، ظهرت السيدة العذراء لأبونا وأكدت له أن الأمر قد انتهى ويستطيع العودة لمصر دون حاجة للجراحة. وفي المعاينة التالية، أدهش الجميع بفصل الدم عن البول وشفائه تمامًا كما وعدته العذراء.

ظهور السيد المسيح قبل نياحته
قبيل رحيله بحوالي شهرين، ظهر السيد المسيح له في غرفة ابنه وأخبره بموعد انتقاله السماوي ليعيد معه هناك. طلب أبونا تأجيل الرحيل ليومين بعد عيد الميلاد حتى لا يشعر أولاده بالحزن خلال الأعياد، فاستجاب له الرب. وقبل أيام قليلة من رحيله، جمع أبناءه وأوصاهم بحب بعضهم البعض والمحافظة على البيت الذي كان شاهدًا على حياته المليئة بالقداسة والخير.
في 9 يناير 2021، رحل القمص أبونا صموئيل زكريا بسلام تام إلى أحضان السماء، لينضم إلى الأربعة والعشرين قسيسًا في السماء كما طلب من رب المجد. ترك خلفه إرثًا عامرًا بالمحبة والخدمة والتفاني ليظل ذكره ودروسه الملهمة امتدادًا لجهاده الأرضي.








