شنودة , مع اقتراب السابع عشر من مارس، تتجه قلوب الأقباط والمصريين نحو ذكرى رحيل القامة الوطنية والروحية العظيمة، البابا شنودة الثالث، البطريرك الـ117 في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. لم يكن مجرد رئيس ديني، بل كان أديباً، شاعراً، ومفكراً ترك بصمة لا تُمحى في وجدان التاريخ المصري المعاصر.

البابا شنودة الثالث من مدرجات جامعة فؤاد الأول إلى أسوار الدير
وُلد “نظير جيد روفائيل” في أغسطس 1923، وبدأت ملامح عبقريته تتبلور في قسم التاريخ بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً)، حيث تخرج بتفوق عام 1947. لم يكتفِ بالعلم المدني، بل جمع بين “ليسانس الآداب” والدراسة في الكلية الإكليريكية، ليعمل مدرساً للتاريخ وضابطاً برتبة ملازم في الجيش المصري، قبل أن تأخذه “نداهة” الرهبنة إلى برية شهيت.
في عام 1954، ارتدي ثوب الرهبنة باسم “أنطونيوس السرياني”، باحثاً عن النقاء والحرية في مغارة نائية عاش فيها سنوات من الوحدة والتأمل. هذه الخلوة كانت المصهر الذي شكل شخصيته القيادية، ليختاره البابا كيرلس السادس سكرتيراً خاصاً له، ثم يُرسم كأول أسقف للتعليم المسيحي في عام 1962، ليحدث ثورة في المناهج الكنسية والتربية الدينية.

عصر النهضة الكنسية: الامتداد من القاهرة إلى سائر بلاد المهجر
في نوفمبر 1971، توج البابا شنودة الثالث بطريركاً، لتبدأ في عهده نهضة غير مسبوقة. لُقب بـ “بابا العرب” و”معلم الأجيال”؛ فقد امتدت الكنيسة في عهده لتشمل قارات العالم، فأنشأ الإيبارشيات في المهجر وعمّر الأديرة التي اندثرت، ورسم أكثر من 100 أسقف و400 كاهن.
كان البابا الراحل “شاعر الكنيسة” بلا منازع، امتلك قلماً سيالاً نُشرت مقالاته بانتظام في جريدة الأهرام، وترك مكتبة زاخرة بالكتب الروحية والقصائد التي تُنشد حتى اليوم. كما أولى اهتماماً استثنائياً بقطاع الشباب والمرأة، مؤمناً بأن الكنيسة كيان حي يتنفس بروح العصر مع الحفاظ على عراقة الطقوس.

الوداع الأخير: وصية في قلب الصحراء
بعد 40 عاماً من الجلوس على الكرسي المرقسي، وفي 17 مارس 2012، ترجل الفارس عن عمر يناهز 89 عاماً. مشهد الوداع كان مهيباً؛ حيث وُضع الجثمان على كرسي القديس مار مرقس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية بملابسه الكهنوتية كاملة، ليودعه الملايين من محبيه في مشهد جنائزي تاريخي.
وتحقيقاً لوصيته، نُقل الجثمان بطائرة عسكرية إلى دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، المكان الذي أحبه وعاش فيه سنوات خلوته، ليوارى الثرى في تابوت خاص، تاركاً إرثاً من الحكمة والمواقف الوطنية التي لخصتها جملته الشهيرة: “مصر ليست وطناً نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا”.








