كيرلس , تحتفي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بذكرى واحدة من أبرز الشخصيات التاريخية التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخها المعاصر، وهو البابا كيرلس الرابع، الذي لُقب بـ “أبو الإصلاح”. وعلى الرغم من أن فترة جلوسه على الكرسي البطريركي كانت قصيرة نسبيًا، حيث امتدت لست سنوات وسبعة أشهر واثني عشر يومًا فقط (1853 – 1861)، إلا أن حجم الإنجازات التي حققها جعلت منه عملاقًا في الإدارة والتطوير، متجاوزًا بمراحل قيود الزمن وقلة الإمكانيات.

ثورة التعليم: بناء جيل واعي ومواطنة شاملة
كان البابا كيرلس الرابع يؤمن إيمانًا عميقًا بأن إصلاح الكنيسة والمجتمع يبدأ من “العقل”. رأى أن الخدمة والرعاية لا يمكن أن تستقيم دون نظام تعليمي متطور يجمع بين العلوم اللاهوتية والعلوم الدنيوية. لم يكتفِ بتعليم أصول الدين، بل سعى لتخريج جيل قادر على مجابهة تحديات العصر؛ فأنشأ سلسلة من المدارس الحديثة في مناطق مختلفة، منها:
مدرسة الأقباط للبنين بالدرب الواسع، ومدرسة حارة السعايين بعابدين.
مدرسة المنصورة للبنين، ومدرسة أخرى في بوش ببني سويف.
ولم يتوقف طموحه عند بناء الجدران، بل استجلب أمهر الأساتذة ووضع مناهج دراسية تحاكي النظم الأوروبية، مع التركيز على اللغات العربية والقبطية. والأهم من ذلك، أنه فتح أبواب هذه المدارس للجميع دون تمييز، مؤمنًا بأن المعرفة حق مشاع، وهي الضمانة الوحيدة لبناء “رجال المستقبل”.

دور البابا كيرلس الرابع في تمكين المرأة وإصلاح الكوادر الكنسية
سبق البابا كيرلس الرابع عصره برؤيته الثاقبة حول تعليم الفتيات. فقد أدرك مبكرًا خطر “الفجوة الفكرية” التي قد تنشأ إذا ما تعلم الفتيان وبقيت الفتيات في ظلام الجهل، مما قد يؤدي إلى تفكك الأسر وعدم تكافؤ الزواج. كان يقول إن الأم هي المرشد الأول للطفل، فإذا كانت جاهلة، ضاع الجيل القادم؛ لذا أسس مدرستين للبنات، إحداهما في كلوت بك والأخرى في حارة الشعابيين.
بالتوازي مع ذلك، اهتم بإصلاح “البيت الداخلي” للكنيسة. فأنشأ مدرسة لاهوتية لإعداد كهنة متعلمين، واهتم لأول مرة بطبقة المرتلين وتوحيد الألحان الكنسية وتخصيص زي محدد لهم. كما كان يولي الكهنة رعاية خاصة، معتبرًا إياهم أعمدة الحياة الروحية؛ فكان يعقد معهم اجتماعات أسبوعية للنقاش والاستماع لشكواهم ومقترحاتهم، محولًا الإدارة الكنسية من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي الجماعي.

المطبعة والتحول الرقمي بمفهوم القرن التاسع عشر
تُوجت جهود “أبو الإصلاح” بخطوة كانت بمثابة الثورة التكنولوجية في عصره، وهي إدخال المطبعة. رأى البابا أن المدارس والخدمة الكنسية تحتاج إلى كتب دقيقة وواضحة، بعيدًا عن أخطاء النساخ وعيوب المخطوطات اليدوية. كلف صديقه “رفلة عبيد الرومي” بجلب مطبعة حديثة من إيطاليا.
وعندما وصلت المطبعة إلى ميناء بولاق، أمر البابا باستقبالها بموكب حافل وبالألحان الكنسية، تقديراً لمكانة العلم. وعندما سأله البعض عن سبب هذا الاحتفاء المبالغ فيه بـ “آلة صماء”، أجاب بكلمته الشهيرة: “لو كنت حاضراً فور وصولها لرقصت أمامها كما رقص داود النبي أمام تابوت العهد”. لقد رأى في تلك الآلة وسيلة لنشر النور والمعرفة، وتخليد التراث القبطي وحمايته من الاندثار، لتظل ذكراه حية كمنارة للإصلاح والتنوير في قلب الكنيسة والوطن.








