التجسد , في خطوة تاريخية تعكس تضافر الجهود الكنسية والوطنية للحفاظ على أقدس البقاع المسيحية في العالم، أعلنت بطريركية الروم الأرثوذكس وحراسة الأراضي المقدسة عن انطلاق أعمال الترميم الشاملة في “مغارة المهد”. يأتي هذا المشروع برعاية مباشرة من رئاسة دولة فلسطين، وتنفيذاً لمرسوم رئاسي صدر عام 2024، ليؤكد الالتزام بأحكام “الاستاتيكو” التاريخي الذي ينظم إدارة الأماكن المقدسة، وبالتنسيق مع البطريركية الأرمنية الأرثوذكسية.

من معبد وثني إلى مهد للمسيحية: رحلة الصمود عبر القرون
تعتبر كنيسة المهد في بيت لحم جوهرة المعمار الكنسي وأقدم بناء ديني مسيحي ما زال قائماً حتى اليوم. تعود جذورها إلى عام 326 م، عندما أمر الإمبراطور قسطنطين ببنائها بإشراف مباشر من والدته الملكة هيلانة فوق المغارة التي شهدت ولادة السيد المسيح. ومن المفارقات التاريخية أن الموقع كان قد تحول في عام 138 م إلى معبد وثني باسم “فينوس” بأمر من الإمبراطور هدريان، في محاولة لطمس المعالم المسيحية، إلا أن الإيمان والمثابرة حوّلا المكان إلى كاتدرائية ضخمة تليق بحدث “التجسد الإلهي”.
لم يسلم البناء من تقلبات الزمن؛ ففي عام 529 م تعرضت الكنيسة للتدمير والحرق على يد السامريين، ليعيد الإمبراطور يوستنيان تشييدها في عام 534 م بصورتها الحالية التي نراها اليوم. ومن العجائب التاريخية التي حفظت الكنيسة من هجمات الفرس عام 614 م، وجود لوحة على واجهتها تصور ملوك الفرس (المجوس) وهم يرتدون زيهم التقليدي، مما دفع الغزاة لاحترام المبنى وعدم هدمه.

أسرار العمارة البيزنطية: باب الاتضاع وأعمدة التاريخ
تتميز كنيسة المهد بتصميم معماري فريد يعكس الفن البيزنطي الأصيل، حيث يحيط بها ثلاثة أديرة عريقة (الفرنسيسكان، الروم الأرثوذكس، والأرمن). يستقبل الزوار عند المدخل “باب الاتضاع” الشهير، وهو مدخل صغير جداً ضُيقت مساحته في عام 1500 م لمنع دخول خيول الجنود، مما يجبر كل من يدخل على الانحناء احتراماً للمكان.
يمتد صحن الكنيسة على طول 54 متراً وعرض 26 متراً، وينقسم إلى خمسة أجنحة يفصل بينها 44 عموداً رخامياً تتوزع في أربعة صفوف. وتزين الجدران بقايا فسيفساء نادرة تعود للقرن الثاني عشر، بينما تكشف الأرضيات عن قطع فسيفساء من الكنيسة البيزنطية الأولى، مما يجعلها متحفاً مفتوحاً للفن المسيحي المبكر. كما تضم الكنيسة في دير الروم الأرثوذكس رفات أطفال بيت لحم الذين قتلهم هيرودس، وهي ذكرى حية للتضحية في سبيل الإيمان.

مغارة التجسد : النجمة الفضية ومكان السجود الأول
تعد مغارة التجسد ، الواقعة تحت صحن الكنيسة إلى الشرق، هي قلب المزار الرئيسي. يغمر الخشوع المكان الذي تشير فيه نجمة فضية محفورة في الأرض بكلمات لاتينية تعني: “هنا ولدت العذراء مريم يسوع المسيح”. وعن يمين هذه النجمة يقع “المذود” المغطى بالرخام، حيث تروي التقاليد قصة الرعاة الذين جاءوا ساجدين للملك المولود.
تتصل المغارة بسلسلة من الكهوف المجاورة، منها المغارة التي عاش فيها القديس جيروم (385 – 420 م) لمدة تزيد عن ثلاثين عاماً، حيث أنجز ترجمته الشهيرة للكتاب المقدس إلى اللاتينية (الفولجاتا). وبفضل عمليات الترميم الأخيرة التي أشرفت عليها منظمة اليونسكو ودول عالمية، استعادت الكنيسة ملامحها الأصلية، لتظل إرثاً حضارياً محمياً يحكي قصة الميلاد التي غيرت وجه التاريخ. إن أعمال الترميم الجديدة للمغارة هي استكمال لهذه المسيرة، لضمان بقاء هذا الرمز المقدس منارة للسلام والمحبة لكل العالم.








